السبت 26 سبتمبر 2020...9 صفر 1442 الجريدة الورقية

مصر تتجه لتحقيق واحدة من أفضل قصص النجاح في تاريخ برامج الإصلاح الاقتصادي

اقتصاد 2020_6_14_13_50_14_949
البنك المركزى المصرى

عمرو عامر ووكالات

بعد أكثر من ثلاث سنوات على بدء مصر تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، وفي ضوء الإشادات من المؤسسات الدولية بتجربة مصر الإصلاحية، يمكن وصفها بأنها نموذجا مضيئا بين الدول التي طبقت برامج إصلاح إقتصادي على مدار ال 30 عاما الماضية، ويعد ما حققته  حتى الان من نجاحات إقتصادية،تتجه مصر لتسجيل واحدا من  أفضل قصص النجاح في تاريخ برامج الإصلاح الإقتصادي في العالم.

اضافة اعلان

ومع استعراض لأهم قصص نجاح وفشل برامج الاصلاح الاقتصادي والمساعدات التي جرى تنفيذها بالتعاون مع صندوق النقد الدولي نجد أن مصر نجحت في تحقيق إنجازات عديدة على صعيد الإقتصاد ومؤشراته الكلية برنامجها وهو ما ساعدها على التحول بالاقتصاد صوب التنافسية، وتحسين أداء المؤشرات الكلية، لتدخل في مرحلة الإصلاحات الهيكلية التي أخذت الحكومة المصرية على عاتقها مسئولية تنفيذها قبل ثلاثة أعوام يصاحبها برامج لتحسين أوضاع الطبقات الاجتماعية المختلفة.


ويمكن التأكيد على أن مصر تقف الآن على المسار الصحيح، من حيث الأهداف الموضوعة لتحسين أداء مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ على رأسها إجمالي الناتج المحلي والقومي وغيرها من المؤشرات التي تعكس مدى صلابة وكفاءة اقتصاد الدولة.


وبعد النجاح الذي حققته مصر على صعيد الإصلاحات الاقتصادية والمالية، لم يتبق سوى المضي قدما في تنفيذ كافة الإصلاحات الهيكلية الضرورية من أجل الحفاظ على النتائج المحرزة وضمان تحقيق مزيد من النمو والتنافسية.


ويبقى أن تخاطب هذه الإصلاحات التحديات المتعلقة بتحسين بيئة عمل القطاع الخاص، وجذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة وخلق المزيد من فرص العمل باعتبارها ركائز أساسية في الطريق صوب النمو المستدام حتى بعد انقضاء فترة برنامج المساعدات.


وفي ضوء إرتباط الأهداف الأساسية المنتظرة من برامج الإصلاح والمساعدات من صندوق النقد الدولي بضمان استقرار النظام المالي العالمي بشكل عام، لذلك كان من الضروري أن تكون برامج المساعدات مصممة خصيصا وفق ظروف ومعطيات كل دولة على حدة لضمان نجاحه.


 وقد تجلى من خلال التجربة المصرية بشكل واضح أهمية حماية الفئات الأكثر ضعفا وهشاشة من خلال توفير شبكات الأمان الإجتماعي وهو ما عمدت مصر على تطبيقه، إلى جانب تدعيم الطبقة الوسطى التي تعد المحرك الأساسي للمنظومة الاستهلاكية المحلية.


وتتطلب سبل تدعيم والحفاظ على الطبقة الوسطى بالمجتمع المصري، تعزيز دور القطاع الخاص الفعال من حيث توفير فرص عمل جديدة ونمو مستدام في الأجور الحقيقة.


وتتمثل عوامل نجاح أي دولة في انجاز إصلاح اقتصادي  على تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية في طليعتها ؛ تحسين أداء الاقتصاد الكلي إلى جانب تطبيق إصلاحات هيكلية، ومراعاة التحديات الاجتماعية.


وبالرغم من أن السياسات الاجتماعية للدول لم تكن دائما الشغل الشاغل لأهداف الصندوق بصورتها الأشمل، إلا أن برامج مساعدات الصندوق قد تترك أثرا اجتماعيا هائلا ، لذلك يقاس مدى نجاح أو فشل الدولة في مسيرة الإصلاح من خلال قدرتها في مخاطبة الجوانب والظروف الاجتماعية أيضا.


وتسود التحذيرات من أن  هناك عوامل قد تتسبب في إفشال تجارب الدول في تطبيق الإصلاح الاقتصادي ؛ مثل غياب الدعم السياسي وعدم نفاذ القانون إلى جانب معارضة مجموعات المهمشة أو أولئك من أصحاب المصالح لمنظومة الإصلاحات .


وفي الوقت الذي تقدم مصر نموذجا ناجحا في إدارة مسيرة الإصلاح الاقتصادي، فشلت تجارب دول أخرى مثل مالاوي والأرجنتين في تحقيق أيا من الأهداف الموضوعة.


وبرغم موافقة صندوق النقد الدولي في عام 2001 على منح دولة مالاوي قرضا لمدة 3 سنوات بموجب برنامج "تسهيل النمو والحد من الفقر" بلغت قيمته ما يعادل 58 مليون دولار ، لم تلتزم الحكومة بتطبيق التوصيات المنصوص عليها ، ما ترتب عليه ارتفاع نسب الفقر والبطالة واستمرار الفساد الإداري إلى حد بلغ معه تحميل الصندوق مسئولية أزمة المجاعة التي عانى منها البلد الإفريقي عام 2002 مودية بحياة  ما بين 1000 إلى 3000 شخص.

 

ولم يكن الوضع أفضل حالا للأرجنتين، فقبل 10 أعوام من اندلاع الأزمة الاقتصادية الطاحنة عام 2001، حصلت الدولة اللاتينية على أربعة برامج مساعدات متتالية، بالإضافة إلى إيفاد 50 بعثة تضم مسئولين وخبراء من قبل الصندوق في قطاعات المالية والمصرفية في الفترة ما بين عام 1991 إلى 2002.


إلا إن الأرجنتين أخفقت بشكل مستمر منذ عام 1994 في الوفاء بالشروط الموضوعة من قبل الصندوق للحصول على القروض، كما أن الجمود الهيكلي للاقتصاد الأرجنتيني - وغياب سبل الإصلاح -ساهم أيضا في مفاقمة من حجم المأساة الاقتصادية التي عاشتها البلاد في حينها، لتعاني من قفزة بمعدلات بطالة و فجوة متزايدة في الدخل وتوزيع الأجور.


وفي تركيا، حيث عانت البلاد من أزمة مالية طاحنة عام 2001، لجأت الحكومة التركية في ذلك الوقت للتفاوض من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي وتمت الموافقة على منحها نحو 9.4 مليار دولار في شكل برنامج مساعدات تصل مدته إلى 3 سنوات، بهدف انتشال البلاد من دوامة  التضخم المرتفع التي أنهكت الاقتصاد التركي لأكثر من عقدين من الزمان.


وفشل النظام التركي  في تحقيق إصلاحات بالشق الاجتماعي، وبرغم نمو الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن معدلات الفقر لم تتراجع بالمستوى المطلوب خلال فترة برنامج المساعدات ، لتصل إلى 16.7% في عام 2007 بدلا من 18.6% في عام 2005، عاكسة نموا غير متكافىء في الأجور، كما لم يرتفع معدل التوظيف خلال فترات النمو ما بين عام 2002- 2007، وظلت معدلات البطالة في تركيا عند مستويات عالية تقترب من 10 % ، ما دفع بعض المحللين لوصفها  بواحدة من فترات :"النمو بلا عمل ".

 

 

 

 

 


على النقيض، قدمت دولة صربيا نموذجا جيدا لتحقق أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي مجتمعة، وهو ما ساعدها في التحول من دولة  صاحبة ثاني أكبر عجز في الموازنة على صعيد القارة الاوروبية  خلال عام 2014، إلى دولة ذات فائض أولي قوي عام 2017.


ومنذ أن تمت الموافقة على منح صربيا قرض لمدة 3 سنوات عام 2015، شرعت الحكومة في تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي ما نتج عنه تحسنا ملحوظا في أداء الاقتصاد الكلي ونمو أقوى من المتوقع للناتج المحلي الإجمالي، مدعوما بنمو الثقة الاقتصادية وتزايد الشمول والاندماج المالي،إلى جانب تدفق الاستثمارات الأجنبية والمحلية.


وعلى صعيد الشق الاجتماعي، انخفضت معدلات البطالة بصربيا إلى مستوى تاريخي قياسي، كما تحسن أداء القطاع المصرفي وتراجعت نسبة القروض المتعثرة، كما سجلت نسب الفقر انخفاضا ملحوظا من 26.1% في 2014 إلى 20.3% في 2017.


 وحول الإشكالية المطروحة بشأن مدى إعاقة برامج الإصلاح والمساعدات من صندوق النقد للنمو في الدول يمكن القول  بأن الربط في هذا الشأن غير دقيق وأن العلاقة بين الأمرين ليست سببية،  وربما يكون السبب وراء هذا الاعتقاد أن بعض الدول التي تعاونت مع الصندوق كانت تواجه بالفعل عدة معوقات تحول دون تحقيقها نموا اقتصاديا.


ومن إجمالي  513 برنامجا  من برامج المساعدات التي تم تصميمها على مدار تاريخ صندوق النقد الدولي نجد أن 341 تجربة منها شهدت نموا اقتصاديا إيجابيا، وترك التعاون بين الصندوق والدول الحاصلة على القروض أثرا إيجابيا  على نحو 83% من التجارب الإصلاحية.


وشهدت 172 تجربة من تجارب المساعدات المتبقية تراجعا في النمو خلال فترة الإصلاح الاقتصادي، وتقدر نسبة المتضررين من شروط البرنامج نحو 34 %  فقط من إجمالي الرقم سالف الذكر، ويزداد التأثير المتوقع لبرامج المساعدات، كلما طال أمد برنامج المساعدات الممنوح لدولة ما.