الإثنين 28 سبتمبر 2020...11 صفر 1442 الجريدة الورقية

إمبراطورية التسول في الشرقية.. هنا تغتال الطفولة «تقرير»

محافظات

أميمة سعيد


بعدما أصبح التسول مهنة سهلة لجمع ملايين الجنيهات خلال وقت زمني قصير دون اللجوء للبحث عن عمل شاق هنا أو هناك، فنرى طفلا صغيرا يبكي استعطافًا للمارة طالبًا منهم ثمن إفطار، أو تجد سيدة عجوز تبكي طالبة المال لعلاج ابنها أو أخرى من أجل رعاية أطفالها الأيتام الذين تركهم والدهم دون مال أو قوت.
اضافة اعلان

ففي الشرقية تجد ظاهرة التسول تنتشر بشكل كبير في جميع المدن والقرى وتتنوع أساليب وطرق التسول والمتسولين ما بين التسول بمرضى والتسول بأطفال أو قيام شخص مريض أو معاق بالتسول مستعطفًا المواطنين بعدد من العبارات كاشفًا عن جرح أو إصابة أو إعاقة، وأحيانًا كثيرة بتر في أحد الأطراف.

كل هذا أهون من طفل صغير يبكي أمامك من الجوع والبرد، حتى أصبح التسول مهنتهم الوحيدة التي لا يعرفون غيرها.

وفي خلال جولة لكشف طرق وأساليب التسول والمتسولين، تبين أن المدن الكبرى بالشرقية كالزقازيق ينتشر بها عدد كبير جدًا من الأطفال المتسولين والذين يتوزعون في أماكن محددة ومعروفة داخل المدينة، وهو ما يؤكد بدوره أن التسول لا يقوم على شخص بمفرده، إنما هي عملية أو مشروع منظم ومرتب وله إستراتيجية يقوم بوضعها قادة وزعماء يديرون آلاف المتسولين ويباشرون نشاطهم خلال النهار والليل وفي الأماكن التي يعملون بها.

والبداية عندما قمنا بإجراء محاولات عدة للحديث مع عدد من الأطفال المتسولين يبلغون من العمر ما بين 7 إلى 10 سنوات يدعون أن أسمائهم "محمود وريم وعبير وشهد ومحمد وشادي" ويظهر عليهم ضعف البنيان ورداءة الملابس واتساخها بشدة، حتى إن بعضهم يرتدي ملابس أشبه بالخرقة، يرددون باستمرار عبارة " هاتي جنيه أفطر والنبي" وما يؤكده هذا الإصرار المتكرر على كل المارة أن هذا ليس احتياجا بل مهنة لها أسلوبها وطريقتها.

ومن خلال حديثهم، لوحظ أن هؤلاء الأطفال يعرفون أسماء كل المتسولين من الأطفال وأبنائهم المستعارة وأسماء الشهرة، والحقيقية التي أخفوها.

يقول "شادي" طفل لا يعرف عمره بالتحديد ويبلغ من العمر نحو 10 سنوات، إنه يترأس مجموعة من الأطفال وعددهم 5، وأنهم جميعا يسمعون كلامه ويخافون منه وحينما سألته عن السبب رد: هم عارفين لو مسمعونيش هعمل إيه فيهم.

وبسؤالهم عن أوقات تواجدهم معللين ذلك برغبتنا في مساعدتهم بالمال بشكل دائم أجاب "محمود" أنهم يعملون بأوقات محددة فبعضهم يعمل منذ الصباح وحتى الساعة 2 ظهرًا ثم يأخذ استراحة وبعضهم يبدأ من الساعة 2 حتى الساعة 7 مساء وكلاهما يجب عليهم جمع مبلغ محدد وهو 50 جنيهًا، ومن لا يصل للمبلغ لا يأخذ استراحته حتى يجمعه كاملًا، وهذا يوضح أن المشرف عليهم هو من وضع حد أدنى أو مبلغ محدد للأطفال 50 جنيهًا في الفترة الواحدة و100 جنيه خلال اليوم الواحد.

وخلال الحديث معهم، طلب منهم "شادي" التوزع للقيام بعملهم وعندما حاولنا إيقافهم رد قائلًا: "وقتنا بفلوس وكده هتجبيلي الضرب وتعمليلي مشكلات".

وأمام جامعة الزقازيق، واجهتنا حالة أخرى ضمن عدد كبير جدا من الأطفال المتسولين في نطاق الجامعة وهذا الطفل يدعى "سالم" والذي يجهش فجأة بالبكاء بعد قيامه بعدت محاولات لجمع المبلغ المطلوب منه ولم يتمكن، فيلجأ لحيلة الصراخ وعندما يسأله المارة يشكو لهم فقدانه مبلغ عشرين جنيهًا ليقوموا بإعطائه المبلغ دفعة واحدة بدلًا من جمعه من أكثر من شخص في وقت أطول وهي حيلة مفتعلة وذكية يقوم بها الأطفال لتجنب العقاب الشديد الذي قد ينالونه من المشرف، وقد يصل عقابهم للضرب أو للحرق.

وفي القرية، يختلف أسلوب التسول حيث يقوم التسول بطرق الباب طالبا "حسنة" من الأهالي وقد تكون الحسنة أموالا أو مكيالا من الأرز أو الذرة أو القمح.

وكذلك تقوم بعض الفتيات بحمل ورقة بها شرح لمأساة مزورة قد تشرح مرضًا أو أنها لها 7 إخوات وأيتام لا يوجد من يعولهم.

وأيضًا هناك سيدات يقمن بالمرور على المساجد يطلبن من الإمام شرح حالتهم في المذياع، والتي غالبا ما تكون إصابة زوجها أو ابنها بمرض خبيث ويحتاج لعلاج غالي الثمن ليقوم الأهالي والمصلين بمنحها المال كمساعدة.

وبعد القيام بحيلة محاولةً للوصول لأحد المشرفين نجحنا في ذلك، لكنه كان حذرًا في حديثه وتوصلنا إلى أن السر في أن أغلب المتسولين من الأطفال هو استغلال العاطفة، حيث قال: "الناس لما بتشوف العيل بيعيط بيصعب عليهم وبيصدقوه وبيدوله اللي فيه النصيب والعيل اللي معاه مناديل وهدومه مقطعة إنما لو واحد شباب مش هيبصوله بيقولوله روح دور على شغل إلا لو كان معاق ولا رجله مقطوعة"، وهو ما يوضح أن سن الشباب في قانون التسول هو سن اليأس وأن الأطفال لهم الأهمية والأولوية الكبرى فمن خلال عدد من الأطفال قد تجني ذهبًا بشكل يومي".