الجمعة 18 سبتمبر 2020...1 صفر 1442 الجريدة الورقية

هدهد النبطى ..وغراب البين

ثقافة وفنون 185

لم يدر بخلدى يومًا أن أتصدى للكتابة عن الأدب والأدباء، ولم أدر قبل أنى كفء لهذا الأمر، وأقصى ما أعرفه عن نفسى أنى قارئ نهم لكل ما هو مسطور على صفحات الورق.

ولكنى وجدت نفسى تدفعنى إلى الأمر دفعًا بعد فرغت من قراءة رواية " النبطى" للكاتب المبدع يوسف زيدان.

ولما أمسكت قلمى وهممت أن أكتب ما تجيش به نفسى، فانتابنى الخوف، فكيف لمثلى أن يعلق على ما يكتبه الأكابر، فألقيت قلمى متراجعًا، ولكن أبت نفسى الرجوع، فنظرت إلى عينى ولدى فازدادت مخاوفى، وقلت لنفسى كيف أنازل الفرسان وأنا ما تعلمت المبارزة يومًا، ولكن أبت نفسى أن تسكن فأزحت مخاوفى واستللت قلمى ونزلت الميدان، وليقض الله أمرًا كان مفعولًا.

ولا أعلم لماذا دفعتنى نفسى للكتابة عن" النبطى" أتراه الوصف الدقيق للأماكن والأشخاص الذين حول الكلمات إلى "حيوات" مسموعة ومشاهدة، فانتزعتنى من واقعى المهموم إلى حياة لم أحيها من قبل، أم هى براءة "مارية" بطلة الرواية، والتى تقارب حد السذاجة فتعبر عن بقايا طفولة لم أستطع حتى اليوم أن أتخلص منها، أم لأن نفسى رأت بعين البصيرة "باطنية" الأفكار التى يعرضها المؤلف من خلال أحداث روايته.

فالنبطى – محور الأحداث – يدعى النبوة أو ينسبها له آخرون، وهو محنف يعتزل الحياة بعيدًا عن الناس فى الكهوف، وعلى قمم الجبال ليعبد إلهه منفردًا، وبعد كل خلوة يخرج ليحدث الناس بكلام بليغ، ليس بالشعر، فظن العوام أنه بطل من أبطال الرواية وفطنت عين البصيرة إلى من يقصده الكاتب.

والراهبة ترتعد وتصعق لما هبط وحيها، وفهم العوام أنها راهبة من زمن الجاهلية، وسمعتها عين البصيرة تقول زملونى ..زملونى؟!

والنبطى يعرض نفسه على القبائل ، فتلفظه تغلب لما علمت أن وحيه يخلو من القتال.

ويعرض عليه القرآن فيقول: يأتى بمثل هذا، ويسيل الدماء ؟!

و"سلومة" زوج "مارية" يترك التجارة بعد إسلامه ليربى خيول الجهاد لأنها تدر عليه ربحًا أكبر و"عميرو" يقول إن المسلمين لن يتوقفوا عن الحرب إلا بعد أن يمتلكوا مشارق الأرض ومغاربها.

وتيقن العوام أنها أحداث الرواية وتيقنت عين البصيرة أنها حديث رواه البغبغان بسنده مرفوعًا عن المستر "كلبان"عن المسيو"حيران"

وأرى نفسى الآن تهدأ لما  أفصحت عن مكنون النفوس، ورأت أنها مصاف الخصوص، ولها من الحكم فصوص، ويبقى أن نقول إنه فى رواية النبطى ما هو جميل رقيق وفيها ما هو أسود مرباد كخافية الغراب الأسحم.