الثلاثاء 14 يوليه 2020...23 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

محمد فتحي يكتب: الإيقاع الرمضاني والحياة

ثقافة وفنون

ثناء الكراس



في مجلة الهلال عام 1982 كتب الإذاعي محمد فتحي مقالا رمضانيا يقول فيه:

«للعيش المنظم، أي الالتزام ببرنامج يومي منتظم للنوم والطعام والعمل أهمية بالغة في حياة الإنسان، فقد ثبت جسمه يشيخ، وأن هناك أوركسترا من إيقاعات حيوية كثيرة يقودها مايسترو يرتبط بدورة الليل والنهار يجب احترامه حتى لا تتحول الأوركسترا إلى نشاز».

وشهر رمضان يضيف إلى الكتاب الموقوت على المتعبد المؤمن الصلاة.. عبادة موقوتة أخرى هي الصوم.

وكل من العبادتين مرتبط أوثق الارتباط بالزمن والإيقاع وجسم الإنسان، وإذا أخذنا في الاعتبار الظروف التي تعبث بليل الإنسان ونهاره وإيقاعية حياته، بالإضافة إلى حاجة الإنسان الملحة إلى مثل هذا الإيقاع، فهل يمكن ونحن نعيش الإيقاع الرمضاني المميز أن نجعله مقدمة لنظام معيشة إيقاعية تدعونا إليه كل شواهد العقل والدين.

ففي عام 1729 أبلغ عالم الفلك دى ميران أكاديمية العلوم الفرنسية باكتشاف أن أوراق النبات تتفتح مع شروق الشمس وتنضوي مع غروبها.. فهناك ساعة حيوية خاصة في جسم كل كائن حى تعمل على ضبط وظائفه في دقة باهرة بصرف النظر عن إشارات الصباح والمساء حوله.

وقد احتاجت البشرية إلى مايزيد عن 200 سنة بعد اكتشاف دى ميران حتى تدرك قيمة هذا الاكتشاف بالنسبة ليقظة الإنسان ونومه وصحته ومرضه وراحته وعمله.

وقد عاش الإنسان 30 ألف جيل ليله ليل ونهاره نهار دون أن تؤرقه مشكلات الخلط بينهما، وبعد الرحلة التاريخية الطويلة لانتظام الليل والنهار عرف الإنسان الإضاءة الصناعية وبدأ يحول ليله أو بعض ليله إلى نهار، ثم عرف السفر بسرعة أسرع من الصوت.

وجاءت المدينة لتضيف مجموعة من الإيقاعات الاجتماعية التي تتناقض مع الإيقاعات الطبيعية وتحول أنشطة النهار إلى ليل، فمن عمل ليلي إلى حفلات ساهرة وموائد شهية مما يثير الفوضى في الجسم.

وقد اختار نجيب محفوظ العيش المنظم، ومثله في ذلك العقاد وتوفيق الحكيم وزكي نجيب محمود، ولهذا طالت أعمارهم وتمتعوا بصحة جيدة يحسدون عليها.

وهنا نجد نقطة لابأس من إثارتها وهي كيف نختار في دعوتنا إلى التزام إيقاع منظم دقيق.. وشهر رمضان بالذات له إيقاع لابد وأن يخالف إيقاع العيش الاعتباري.

أن تغيير الإيقاعات أمر مطلوب لتجديد الإحساس به ولكن شريطة أن يكون التغيير إيقاعيا هو الآخر.. ولعل حديثنا هنا لم يتناول سوى مظهر واحد من مظاهر الصيام هو إيقاعيته وارتباط الصوم بإيقاع القمر "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته"، وإيقاع الشمس..إفطار المغرب وسحور ما قبل الفجر أمر يحتاج في جلائه إلى المزيد».