الأربعاء 28 أكتوبر 2020...11 ربيع الأول 1442 الجريدة الورقية

توفيق الحكيم يكتب: القبح الجميل

ثقافة وفنون
توفيق الحكيم

ثناء الكراس


في مجلة آخر ساعة سبتمبر عام 1946 كتب الأديب توفيق الحكيم مقالا قال فيه:

هل توجد معاهد للتجميل من نوع جديد في مستقبل الأيام؟
  اضافة اعلان

إذا تغيرت فكرتنا عن الجمال فإن هذه المعاهد ستصبح ضرورة من ضرورات العصر، فما من أحد يخطر له أن سلطان الجمال يزول يوما عن هذا الوجود، فإن عرشه أثبت العروش لأن في يده الصولجان الخفي الذي يمس القلوب.

لكن الذي قد يغيره الزمن وتتجه إليه بحوث الخبراء وتتناوله أيدي التجميل من العلماء والفنانين، والإخصاء هو نوع من الجمال يمكن استخراجه من القبح كما يستخرج ألماس من الفحم.

أهذا ممكن الحدوث حقا؟ ليس من السهل إقناع المرتاب بالدليل المنطقي لكن ما من أحد منا لم يصادف في حياته تلك المعجزة دون أن ينتبه لها.

ابحث في ذاكرتك فإنك ولا شك تجد فيها نموذجا لامرأة قبيحة المنظر قابلتها يوما فملأت عينيك اكتئابا.. إلى أن فتحت شفتيها وتكلمت.. فكأن نافذة من النور قد فتحت.. وإذا الضياء يتدفق من جوفها فيضفي على وجهها حلاوة لم تكن.

فالثغر القبيح قد حسن فجأة في نظرك، والأنف الطويل قد راق في الحال لبصرك فتسأل نفسك ماذا حدث لهذه السيدة؟

هناك أيضا نوع من القبح ينقلب جمالا لا لانعكاس ضوء عليه، بل لسبب آخر هو إشعاعه بنوع من الحرارة اللطيفة والدفء الجميل والاطمئنان المريح.

تلك امرأة مثل جوهر الراديوم.. إنها على غراره ليست جميلة المنظر كجوهر ألماس، لكن قيمتها وحسنها في ذلك الإشعاع الخلقي الذي يصدر عن طبيعتها الرحيمة الوديعة وطينتها الطيبة.
 
وهي مثل الراديوم تستمد سلطانها من ذلك البريق الخارجي الذي يزهو به ألماس وتستلهم القوة من ذلك الحسن الخلقي الباطني الذي ينثر الراحة ويعجل بالشفاء.

حسن يبهر وحسن يريح.. جمال يشقى وجمال يشفي، وكلاهما يظفر بقلب الرجل.

لا وجود إذن لأسطورة القبح الذي تخشاه المرأة أكثر من الموت فالقبح قد يتحول إلى جمال وأن عملية التحويل قد تصبح في الغد ممكنة.

استطلاع رأى

هل تتوقع استمرار اقبال الناخبين علي التصويت في المرحلة الثانية؟