الأحد 20 سبتمبر 2020...3 صفر 1442 الجريدة الورقية

مكاتب «التعذيب» الإعلامي

مقالات مختارة 904

العلاقات العامة هي الإدارة التي تتدفق منها المعلومات إلى الجمهور عن نشاط جهة ما، وهي وسيلة ضرورية لكسب المؤيدين إذا تم استخدامها باحترافية بعيدًا عن العشوائية والفهلوة.
اضافة اعلان

العشوائية تجعل المكاتب الإعلامية لبعض مؤسسات الدولة تعمل دون إستراتيجية تحدد طريقة الوصول إلى أهدافها، وتوضح كيفية بناء صورة إعلامية إيجابية لهذه المؤسسات، فتكتفي بتطبيق "استراتيجة اليوم الواحد" للتعاطي مع الأزمات، وهي طريقة عمل تشترك مع "مستشفيات اليوم الواحد" في أن من يطبقونها يحتاجون إلى العلاج، بجانب إقناعهم بأن رفع مؤسسة لشعار (رزق يوم بيوم) كوسيلة للعمل وإدارة الأزمات سوف يؤدي إلى بذل مجهود كبير دون عائد حقيقي ملموس.

غياب الرؤية يجعل هذه المكاتب تتعامل أحيانًا مع الإعلاميين كأعداء محتملين؛ فتحجب عنهم المعلومات لتتحول "المراكز الإعلامية" إلى "مراكز تعذيب" للصحفيين الذين يسعون وراء المعرفة عبر طرق أبواب مكاتب إعلامية أصبحت بمثابة "مراكز اعتقال" لموظفيها من ضحايا منظومة عمل وضعتها قيادات لا تؤمن بأهمية الاتصال وحرية تداول المعلومات.. أما الفهلوة، فهي الاعتقاد بأن الدفع بأهل الثقة في صدارة المشهد كاف لبناء صورة إعلامية جديرة بالاحترام.

عدد موظفي العلاقات العامة في الجهات الحكومية المختلفة قد يوازي تعداد مدينة سكنية ضخمة، أما مجموع مرتباتهم فيزيد علي ميزانية محافظة كاملة بينما الفاعلةن والمهمون منهم ليسوا أكثر من واحد من كل عشرة موظفين!

واحدة من مهام إدارات العلاقات العامة هي إقامة "جسر من الاحترام" مع صناع الإعلام والمؤثرين فيه، لضمان حشد الجمهور الداعم لأهدافها، ولكن موظفي العلاقات العامة في المؤسسات الحكومية يهتمون فقط ببناء "جسر من العلاقات" مع أرباب أعمالهم لضمان الاستقرار الوظيفي.

كثرة أعداد الموظفين في المؤسسات الحكومية يجعلها تضطر لإنشاء أكثر من جهة للتواصل الإعلامي في محاولة لتسكين جزء من موظفيها، فيحدث التضارب في الصلاحيات، وتبدأ صراعات الموظفين على المكاسب، وإذا كان أكثر أنواع الحب إخلاصًا هو حب الطعام فإن هذا ليس مبررًا ليرفع بعض موظفي الحكومة شعار (أكل ومرعى وقلة صنعة!).

تعاني إدارات العلاقات العامة بالحكومة من نفس مشكلات المنظومة الحكومية ككل ومنها تأثير مناخ العمل السيئ الذي يجعل "فريق العمل" يتحول إلى "شلة منتفعين" تستبعد الرأي المختلف وتجبر أصحابه على الانخراط في سير العمل التقليدي، فينضم الموظف الجديد لهذه "الكيانات" محملًا بالخبرات والطموح ليتحول بعد فترة إلى نسخة جديدة من هذه"الكائنات" الرافضة للعمل والمستمتعة بمنظومة تشجعها على التراخي وتدفع بأنصاف المواهب للقمة لتختفي نظرية داروين "البقاء للأصلح" في مقابل نجاح قانون "جريشام" الذي أكد أن العملة الرديئة تطرد الجيدة وتحل محلها..

وحتى نخرج من هذا المأزق فالحل هو التدريب المستمر لموظفي العلاقات العامة في كافة المؤسسات الحكومية كجزء من خطة مطلوبة لتدريب موظفي الإدارات الحكومية المختلفة- وتقديمهم لامتحانات دورية لتقييم خبراتهم حتى نعطي الفرصة للمتميزين منهم لإرتقاء السلم الوظيفي وهم يستحقون "الدعم" بينما يتم استبعاد أنصاف الكفاءات وهم يستحقون "الرفد" لنصل في النهاية لمناخ عمل صحي يشجع أصحاب المواهب ويلفظ أصحاب المصالح.