السبت 19 سبتمبر 2020...2 صفر 1442 الجريدة الورقية

مرثاةٌ من برج الثور

مقالات مختارة 139

إخوتي.. أيُّها الحالمون
حضرةُ الرّوحِ والحُلم لا تنتهي بغيابِ الجَسَدْ.


لسنوات طويلة كنت بعيدًا بمسافة جيدة إلى حد ما عن الموت، لا أعرف، هل هو ترتيب من القدر، أم كانت هناك حسابات أخرى لم أكن على دراية جيدة بها، كنت – فى قريتى البعيدة- أتعامل مع الموت كونه حدثا يحدث عندما يكبر الإنسان ويصير عجوزًا.. كهلًا، وقد فرغت جعبته من أي جديد يمكن أن يضيفه إلى صفحة الحياة..

اضافة اعلان
 

كنت أراه – وقتها- جيدًا فى اختيار من يجب أن يجلسوا على «دكة الاحتياطى» بعدما أدوا دورهم على أكمل وجه فى «مباراة الحياة»، فمنهم من أحرز هدفًا، ومنهم من صنع فرصة ذهبية لتسجيل هدف فى توقيت قاتل، ومنهم من كان أكثر حظًا واحتفل بتحقيق فوز مستحق على الحياة.

بهاء سلطان.. «عن البنفسج الذى يُبهجنا وهو حزين»
لسنوات طويلة.. بقيتُ والموت، أشبه بغريبين، لا تجمعها طريق.. جلسة، أو حتى ذكرى، لكن السنوات المخادعة مرت سريعًا، أسرع مما كنت أتصور، مرت بحلوها ومرها، لأفاجئ بأننى أصبحت صديقًا جيدًا، بل وزبون «لُقطة» للموت، فبدأ يطل برأسه على حياتى، اختطف عزيزًا..

 

فقلت «إنها الصدفة.. الشباب لا يموتون.. لعله أخطأ ولن يكرر خطأه»، قلت جملتى هذه بينما كنت أبكى صاحب الشريط الأسود الأول فى «برواز» صورة حياتى، لكن الأيام مرت، لأكتشف فى خضم هذا المرور المزدحم جدًا، كم كنت طيبًا إلى حد السذاجة عندما وثقت فى الموت..

 

ومنحت روحي وعدًا، لا أملك تحقيقه، بأن نوافذى لن يطرقها «زائر الحق» مرة أخرى، أو إلى حين، لكنه فعلها.. لم يطرق فحسب النوافذ، لكنه حطمها، حطم الأبواب جميعها، ووقف فى المنتصف، قاطعًا الطريق على أى أمل، أو وعد سبق وأن قطعته.. ورحل صديقى رضا غنيم. 

نحن «الثُلث».. ولنا الفقر كله!
أذكر أننى منذ سنوات عدة، سألت كاتبا صحفيا، كبير السن والمقام أيضا، بعدما كتب عن وفاة والدته، ما الداعى للكتابة عن حزننا الشخصى؟.. أجابنى يومها قائلًا: حتى يعرف الجميع أننى إنسان مثلهم، أحزن، أفرح، أخطئ، أصيب، أتألم.. كتبتُ لأننى أردت من يخفف عنى الحزن، من يحمل جزءً مما أحمله على كتفي، أكتب لأننى تعبت من الصمت الذى لو اجتمع مع الحزن لـ«مِتُ كمدًا».


ربما من هذا المنطلق نكتب عن أحزاننا، وإن كان وجود شخص آخر يحمل جزءًا مما نحمله أصبح مستحيلًا فى وقتنا الحالى، كاستحالة إيجاد «الخِل الوفى»، لكنها محاولة لاستخدام دواء جديد، بعدما أثبت سنواتنا الماضية، أن الصمت أرض خصبة لـ«نمو الحزن» وأن أدوية «النسيان» التى تعاطيناها ليلة بعد ليلة لم تزد عن كونها «مُسكن للألم» إلى حين، لا أكثر ولا أقل.


...
شمسُكم لم تزل شمسَنا
إنَّما.. غدُكُم لم يصِرْ أمسَنا
لا جديدْ بعدَ غيبتِكُم
غيرَ شوقي إليكُم وحُزني الشديدْ
لبقائي على كومةٍ من ركامِ البقاءِ، وحيداً.. وحيدْ
خَذلتْني الرّهاناتُ. ضلَّ الطريقَ القريبُ وضلَّ البعيدْ
وأنا يا رفاقي كما تعرفون.. وكما تعهدون
برجيَ الثورُ يا أصدقائي. وبُرجي عنيدٌ عنيدْ
وكما تعلمون..
مستقيمٌ صراطي. وعن غايةِ النارِ في نورها لا أحيدْ
وعلى رايتي.. لم تزل رغم ليل الطريقِ العسيرِ المديدْ
لم تزلْ قبضةٌ من حديدْ..*
..
*(مقاطع من قصيدة «مرثاة من برج الثور» للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم)