الإثنين 28 سبتمبر 2020...11 صفر 1442 الجريدة الورقية

متى يتعلم النظام من غباء الإخوان !

مقالات مختارة 184

عندما كنت أعارض جماعة الإخوان أثناء فترة اتحادها المعلن بالنظام بعد ثورة يناير المجهضة، كنت أرى أن انهيار تلك الجماعة قادم وحتمي وقدري حتى وإن لم تختلف مع النظام الممتد من عقود طويلة، والذي كانت تسميه بالدولة العميقة، كانت الجماعة قائمة على وهم كبير اسمه السمع والطاعة والذي يتنافى مع طبيعة البشر، الذين ينقادون بكل صعوبة للسمع والطاعة مع السماوي المقدس فقط، والذي أتت به الرسالات السماوية.. طبيعة الإنسان تميل للتمرد على الرأي الأوحد وتجنح للتحرر من القيود ومن يستطع أن يكبح جماح نفسه، ويقيد نزواته ويحجم أفكاره يستطيع أن يلتزم بتعاليم الأديان السماوية على تنوع رسالتها وتوحد منبعها. 
اضافة اعلان

(أبناء الجماعة معظمهم دكاترة أومهندسين..) كانت تلك المقولة البلهاء والعنصرية إلى حد ما، والتي تعكس هشاشة تركيبة جماعة الإخوان أحد أسباب انهيارها الحتمي، نظرًا لسهولة انقياد غالبية من يدرسون في الكليات العملية لرأي أوحد وإيمانهم بحقيقة مطلقة وتطلعهم إلى معين روحاني محدد يعوض جفاء ما يدرسون.. يسمع فيطيع ولا يجادل ولا يناقش ولا يرفض رأي من منبعه الروحي الأوحد أوثلة مكتب الإرشاد.. لذا كان الغباء جماعيًا والانهيار حتميًا، فحتى بعد انقلاب حلفاء الجماعة عليها وانفصالها عن الدولة العميقة بل والعداء العلني المعلن بينهما، وما تبع ذلك سجن شباب الجماعة وهروب الطبقة الغنية والمصاهرة لقيادتهم والواصلة منهم خارج البلاد، ما زالت نغمة سجين دكتور أومهندس طاغية على أي بعد إنساني أوسجين آخر منهم ولكنه لا ينتمي لكهنوت الأطباء والمهندسين والكبار !

لم تجد الجماعة من ينظر لها ومن يبدع لها أو يرشدها حقًا لقيم الحياة السياسية وللموقف الزمكاني الحرج الذي تولت فيه مقاليد الحكم.. شعب في ثورة يتطلع لعدل وتحرر وتعايش ومساواة، يجد من يقول له نحن السادة ونحن ماء السماء الطهور، نصًا قال ذلك محمد مهدي عاكف المرشد السابق للجماعة في إحدى ندواته بمدينة طنطا أيام الثورة!

غلبت الشقوة الطبقية على الجماعة نفسها، وتقلد المناصب الكبرى فيها من الشباب ومتوسطي العمر من الثلة التي صاهرت خيرت الشاطر ومن تبعه بخضوع داخل مكتب الإرشاد وتجلي الغباء في محاولة إصباغ ذلك على شعب مصر من خارج الجماعة، فكسبت حقدًا طاغيًا حتى من أكثر المتعاطفين معها ومن صوتوا لصالحها في الاستحقاقات الانتخابية، التي ما كانت لتحدث إلا بسبب دماء شهداء يناير، التي تنكر لها ولشرعيتها الجميع من إخوان ونظام.

واليوم نجد النظام لا يتعلم أبدًا من غباء الإخوان وفشلهم وتقوقعهم حول ذاتهم الضيقة وجماعتهم المحدودة مهما كبر حجمها، قياسًا بشعب تعداده يقترب من المائة مليون.. اليوم نرى الحكومة ونظامها أو النظام وحكومته ما زال مصرًا على تقليد الإخوان والتشبث بكهنوت آخر قوامه المؤسسسات المحظوظة في الدولة، والذي يتسع قليلًا ليضم العاملين في الوزارات الغنية ومؤسساتها والهيئات النافذة الكبرى والبنوك وماشابهها من شركات قابضة متربحة من الشعب، هؤلاء هم جماعة الحكومة والتي تحرص على إرضائهم وتدليللهم حتى في أصعب الأوقات مع عدم استفادتها فعليًا من أكثرهم، فمثلًا في وسط تلك الأزمات الاقتصادية غير المسبوقة والتي تبعت كارثة إغراق الجنيه بدعوى التعويم، نجد الحكومة تلغي الحد الأقصى للمرتبات لموظفي البنك المركزي !

وسط كل هذا الغلاء وركود رواتب الموظفين عند حد معين بقرارات سياديه، تجد من يرى أن موظفي البنك المركزي غلابة وأنهم يستحقون رفع رواتبهم التي وقفت عند حدود 42 ألف جنيه شهريًا !

ما هذا العبث وما تلك العقلية التي تكيد للنظام نفسه بل وتتآمر عليه من داخله!.. أيعقل حدوث هذا في ظل شكوى مريره من غالبية الشعب، بسبب التضخم والغلاء المستعر والجنوني اليومى الحادث في كل سلعة حياتية أساسية!

يحدث هذا بسبب تقوقع النظام حول نفسه وعدم السماح لأحد التفكير من خارج كهنوته، لا يسمح النظام لأحد من خارج دوائره الضيقة أن يفكر له ويبدع له ويخرجه ويخرجنا من الأزمة الاقتصادية الخانقة، فقط صفق وغني وامتدح وتعبد وتنسك في محرابنا واستمع لإجراء إعلام علب الليل الفضائية المقززة.. تمامًا مثل جماعة الإخوان أثناء فترة حكمها القصيرة والتي أثبتت فيها غباءً ونزقا وصلفًا غير مسبوق في قنوات كالناس والرحمة ومصر 25 وغيرها.

إن أراد النظام وحكومته حلولًا فاعلة لما يواجهه الآن فعليه أولًا بالاعتراف بعجزه وافتقاده لكفاءات مبدعة من خارج حدود أسواره الشاهقة، والتي تحجب أي ضوء عقلي أو إبداع إنساني عن قلاعه، ثم عليه البحث عن من يقوم له بهذا الدور ومن ينتقده أيضًا، ومن يطرح عليه رؤى مغايرة لما ترسخ في مؤسساته وإلا فمصير الإخوان قادم قادم ولوبعد حين... تعلموا يا سادة من أخطاء الإخوان وغبائهم وتشرنقهم أصلحكم الله.
fotuheng@gmail.com