الأحد 5 يوليه 2020...14 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

لماذا أنا مُعَارِض !؟

مقالات مختارة 861

د / صلاح هاشم


أتصور أنه منذ سقوط "المَلَكيّة" وحتى الآن لم نجد مفهومًا واضحًا للمعارضة.. وأن هذا الغموض وربما التغاضى عن فهمٍ حقيقى لطبيعة المعارضة؛ انعكس بشكلٍ قوىٍ على ممارسات الأحزاب السياسية في مصر.. فبرغم كثرتها إلا أنها لم تتجاوز قَرع الطبول! فلم نسمع قبل ثورة يناير لهذه الأحزاب سوى "نمنمات" على صفحات الجرائد الصفراء، وأحيانا "تهتهات" على شاشات الفضائيات، تارة تَشجُب وتارة تُدِين!

ونظرا لتدنى دور هذه "الأحزاب" وقصور طموحها السياسي، باركت الدولة إنشاء مزيدِ منها..بل وسمحت الدولة بحالة من"السيولة الحزبية "المتجانسة؛ ربما لتُظِهر للعالم وجها آخر، يؤمن بالديمقراطية والتعددية الحزبية.. ويبرئ نفسه أمام العالم من كونها تعددية جوفاء!

لم أكن أتمنى يوما أن أجلس على مقاعد المعارضين وفق هذا المفهوم المتدنى للمعارضة. فالمعارضة في تصورى تعنى تَبَنِي المعارضون لوجهة نظر"إصلاحية" تختلف-ولو قليل- مع وجهة نظر النظام. وأنها مستعدة دائمًا لتكون"البديل" في حالة سقوط أي نظام سياسي حاكم.. فالمعارضة هي نظام شامل، يحمل على عاتقه هموم الدولة الداخلية والخارجية. وهى نظام مستكين جاهز" للحكم " ينتظر لحظة الإنطلاق.. متى سمحت له الظروف!

لم أكن أيضًا أتمنى أن أكون معارضًا، لكن تجربتى مع الأنظمة الحاكمة التي عايشتها منذ بداية تشكيل الوعى في التسعينيات من القرن السابق؛ دفعتنى دفعا لأن أكون معارضا..فمن أخطر الأفكار التي راودتنى في تلك المرحلة هي علاقة فساد الحكم بفساد الشعب، سنوات طويلة من البحث والخضوع لأكثر من تجربة في الحكم ؛ أدركت أنه حينما تفسد الرءوس.. تُكرَه الأبدان على السير في الطريق الذي تقودها إليه.. وكذلك إن أصلحت!

لقد بَدأتُ المعارضة لـ" ثقافة " القرية التي كنت أعيش فيها، ثم لثقافة المدينة التي انتقلت إليها.. مهاجما تكاسل العاملين عن أداء أعمالهم.. والثقافة التي تزج بهم إلى التقاعد، وتدفع بمعظمهم إلى أتونات الاستهلاك، ومقصلة الاقتراض من أجل العيش.. ومهاجمًا كذلك للثقافة التي جعلتهم يقدسون كل ماهو أجنبى. سواء ما يكتبه الأجانب من أفكار وأقاويل فلسفية أو ينتجونه من سلع أو يرتدونه من ملابس!

وتساءلت مع أبناء جيلى إلى أين يفضى بنا هذا الدرب؟ ومن الذي يدفعنا دومًا إليه؟ وتصورت وكأنى وجيلى في "نفق مُظلم" يسير في اتجاه واحد غير معلومة نهايته! وأنه إذا فكرنا في العودة فلن نستطيع، وإذا توقفنا عن السَيّر دهستنا عجلة التكنولوجيا التي لا ترحم..وهنا فقد أدركت أننا "رغم أنوفنا مُكرَهُون" على ممارسة "الفساد"!

وحتى لا أكون متحيزا أو متعصبا للشعب المُكرّه ضد حكامه الفاعلين.. نزلت إلى " ثقافة الشعب أتحسس مواطن الفساد فيها ومالذى يدفع دائما إليه؛ فرصدت عبارات ترددها ألسنة العامة-وربما عن غير وعي- وكأن هناك من غرس عمدًا– أو من غير قصد- في قناعاتهم "قِيَّمًا" سلبية مريضة!

فحينما كانوا يشاهدون فلاحا يكدح في الأرض ينهرونه بأقوالهم الساذجة: "ارحم نفسك.. إن لبدنك عليك حق.. ليست للدنيا أجنحة.. الشمس تشرق كل يوم.. " وإذا ما رأوه ضاحكا يخبرونه بحديث نبوى مُسنَد: "بأن الضحك يُميتُ القلب.. وأذا ما رأوه باكيا قالوا: "اتركوه.. فالدموع تطهر القلوب، وتُجلي عنها الأحزان" !

وحينما يَرونَه "سَخِيًّا " ينصحوه: بأن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود"..وإذا ما وجدوه " مُمسِكًا "؛ أتحفوه بالنقيض: " إصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب"..فعَيَّشُونا في حالة ثقافية ضحلة، بسيناريوهات اجتماعية فضفاضة وبالية، جاهزة للاستخدام في أي موقف؛ حتى لو كانت نسبة الاختلاف أو التناقض فيه 180 درجة!

وفى هذا اللحظة من الإدراك أيقنت أنه ليس لدينا وزارة ثقافة مُمنهجة، تحمل "رؤية" محددة المعالم. وتسأءلتُ هل هو فشلٌ أصابَ هذا المكون المهم بالتحديد؟ أم أنَّ عجز الدولة ككيان شامل في تحديد هويتها الثقافية والسياسية والاقتصادية أثر بشكل كبير في بنية النسق الثقافى.. ورغم منطقية الإجابتين ؛ لكننى تبينت أنه ليس لدينا وزارة ثقافة قادرة على النهوض بواقعنا المرير ولا العمل على تحسيينه أو تجميله.. فلم ألمس منذ عهدى بهذه الوزارة مشروعا ثقافيا تنمويًا ذا أثر يمكن قياسه أو التعويل عليهم.. لهذا فلم تُعُد وزارة الثقافة بحالتها هذه تعكس رؤيتنا الثقافية لمستقبل مصر، ولا تعبر عن حضارتها التي ناطحت يومًا ما، كل حضارات الدنيا!
لم يكن لهذه الوزارة دور واضح في صياغة المناهج التعليمية ولا الرقابة عليها.. والأمر بات متروكًا برُمته لوزارة التربية والتعليم، التي لم تكن أقل حظًا من الفساد من وزارة الثقافة.. فلم أشاهد على مدى دراستى بمراحل التعليم المختلفة منهجًا واحدًا يدعونى للتفكير أو التأمل.. حتى الفيزياء والكيماء والهندسة والتكامل والتفاضل، علمونا كيف نجيب على أسئلة الامتحانات، لكنهم لم يُعَرِفُونا لماذا أًصلا ندرسها.. وما الذي قدمته تلك العلوم للإنسانية من منافع؟!

أموال طائلة تنفقها الأسر المصرية سنويًا في مختلف المراحل التعليمية، لا لكى يتعلم أبنائها ويتأهلون لسوق العمل، ووإنما من أجل إعدادهم فقط للإجابة على أسئلة الامتحانات! والنتيجة التي أوصلتنا إليها تلك السياسات التعليمية البالية هي "خريج " برتبة عاطل، منفصل تماما عن سوق العمل!

لقد صرت معارضا حينما أيقنت بأن الفساد مَوّرُوثٌ ثقافي.. توارثته شعوبنا مع بطاقة الهُوِيَّة.. وأن الأملُ في الإصلاح لا يزال في غُرفة الإنعاش! فلا يستطيع مُنصِف عاقل أن يُنكر حجم التراجع الذي حققته مصر منذ بداية الخمسينيات وحتى الآن، وفى كل القطاعات وداخليا وخارجيا، والعَتَبُ ليس فقط على الأنظمة التي لم تسمح بنشوء معارضة فعالة؛ تُوَجَهُهَا وتُصَحَحُ لها المَسار. وإنما العَتَبُ على المعارضة نفسها التي إكتفت بالشجب والإدانة، ولم تسعَ جاهدة لإعداد برنامج وطنى فعال؛ لإنقاذ الوطن من كَبّاوَتِه الراهنة، وتَبَنى سيناريوهات فعالة للتوخى من كباوته المحتملة.. كما أنها لم تجرؤ على إخبار النظام بأن الإصلاح الحقيقى يحتاج إلى تغيير جذرى في السياسات والمناهج.. يَُسبقه تغيير في الأفكار والأدمغة وليس في الرءوس والطواقى!
Sopicce2@yahoo.com