الجمعة 25 سبتمبر 2020...8 صفر 1442 الجريدة الورقية

قصة تأكل تفاصيلها بنهم

مقالات مختارة 128

دخل غرفة نومه وأغلق بابها بالمفتاح رغم أنه يعيش وحيدا منذ ماتت حبيبته، فهكذا يفعل كل عام في ذكرى رحيلها، إذ يجلس على السرير ويفتح ذلك الصندوق الصغير الذي يحوي قصة حبيبين ذاب كل منهما عشقا في الآخر، رغم قصر عمر الحكاية، التي انتهت داخل سيارة انقلبت على الطريق السريع، فماتت هي وأصيب هو بكسور متفرقة في جسده، وحالة اكتئاب تلازمه منذ ذلك الحين.

اضافة اعلان
 

من الصندوق أخرج أول خطاب كتبه لها، لكنه لم يجرؤ على إرساله، وأول وردة أهدتها هي له، وتذكرة أول فيلم شاهداه معا، وغلاف أول شريط أغاني تبادلاه، وأول زجاجة عطر استخدماها سويا، وأول كتاب اشتراه لها، وساعة يد أهدتها له في عيد ميلاده الأول لهما معا.. و.. و.. كلها أشياء أولى جمعتهما، إذ كان يحتفظان فقط بالأشياء الأولى، ويتخلصان من أي شيء بعدها خشية أن يكون الشيء الأخير.. لم يكن أيا منهما يحب الأشياء الأخيرة، ولا النهايات.

كيف تحول آلامك لضحك
أشياء وأشياء وأشياء داخل الصندوق، لكن أغربها كان مصباحا قديما اشترته هي من محل أنتيكات في مدينة ساحلية قضيا فيها شهر العسل..


أمسك هو المصباح. قبله. تنفس عبقه. احتضنه.. ثم أخذ يمسحه بيده كما كان يفعل حين تضع رأسها على صدره فيمرر يديه ببط على شعرها ويشم رائحته التي أبدا لم تكن تشبه أي رائحة أخرى، حتى أنه ذات مرة ذهب بخصلة من شعرها إلى صانع العطور كي يصنع له عطرا مستوحى منها..


ظل يمسح على المصباح بيده، وهو مغمض العينين يسترجع ذكرياتهما معا، إلى أن استفاق فجأة ليجد المصباح بين يديه يخرج دخانا كثيفا، لكن رائحته كانت ذكية لدرجة جعلته لا يشعر بالرعب حين خرج جنيا صغيرا منه، قائلا «شوبيك لوبيك.. مرني بطلب واحد أنفذه لك».


أخذ يفكر هو في أكثر الأشياء التي يتمناها في هذا العالم، ورغم تعدد الأمنيات والأفكار إلا أن جميعها كان يدور حول حبيبته التي فارقته، وقال في نفسه سأطلب منه أن يعيد لي حبيبتي»، لكن قبل أن تنبس شفتاه بحرف واحد تراجع. صمت قليلا. لمعت عيناه وقال «أريد أن أعيد حكايتي مع حبيبتي لكن بطريقة عكسية، أن نبدأ من النهاية، ثم نستعيد كل شيء حدث بيننا حتى نصل للبداية».

ذئاب لا تأكل الفحم
لم يفكر الجني، وسريعا طرقع بأصبعيه، فوجد صاحبنا نفسه أمام قبر، والناس يتحلقون حوله ليواسوه «رحمها الله.. شد حيلك»، ثم توالت تفاصيل قصتهما، ليعيشا معا أحداثا عاشاها من قبل لكن بترتيب عكسي..


فبعد القبر، عاد به الزمن ليجد نفسه أمام باب غرفة العناية الفائقة ليشاهد حبيبته ممددة على سرير طبي وجسدها موشوم بعشرات من الأنابيب والأجهزة، وفي الخلفية أصوات صفير رتيبة، بينما دموعه تنهمر كالمطر على زجاج باب الغرفة..


تسير الحكاية كشريط سينمائي لمشاهد عكسية، لكنه أبدا لم يكن متفرجا، بل بطلا للحكاية برفقة حبيبته، إذ إنهما الآن في سيارة منقلبة على طريق سريع، وحولهما أصوات تصرخ وتستنجد، ثم ها هما داخل السيارة يغنيان أغنيتهما المفضلة، وبعدها أو لنقل قبلها هما الآن في مطعم صغير جدرانه خشبية والإضاءة حالمة، يمضغان الضحك قبل الطعام..


أما هذا المشهد فنراهما في حديقة منزل، حيث تجلس هي على أرجوحة صغيرة، بينما هو يطوحها في الهواء لتحلق في السماء تسبقها ضحكاتها الحلوة..
وهنا الآن – أيضا – فكل أوقاتهما الآن.. نراهما على شاطيء ممتد يفصلهما عن مياه فيروزية تتألق بانعكاس الشمس على صفحتها، قبل أن تأتي موجة حالمة تداعب أقدامهما..

المرأة فخ.. اهرب يا ياسين
بعدها أو ربما قبلها، ففي حكايتنا لا أحد يعرف أي الأحداث يقع أولا، نراها نائمة على كتفه في صالة عرض سينمائي، فيتابع هو الفيلم المعروض على الشاشة، بينما هي تتأمل أهداب عينيه التي لا تكف عن الحركة، فتتداخل وكأنهما عاشقين يحتضن كل منهما الآخر..


والآن هما في كازينو على النهر الممتد، وأمامهما كوبان من عصير الفراولة، لكن أحدا منهما لا يهتم إلا لعيني الآخر، وابتسامته، ليهم هو قائلا «أحبك»، فتحمر وجنتاها كما الفراولة التي ذابت في الكوب فرحا.. كل الأشياء حولهما شاركتهما هذه اللحظة، حتى العصافير تحلقت فوق راسيهما ورفرفت بأجنحتها فتطايرت خصلات شعر الحلوة وسافر في كل الأرجاء حتى وصلت خصلة إلى وجه حبيبها فداعبته كأنامل طفل يمسك بيد أمه.


وفي المشهد الأخير أمامنا، وهو بالطبع أول مشهد بينهما، نراهما الآن يلتقيان في منتصف درج مبنى الكلية التي درسا فيها، وقد اصطدما ببعضيهما، فازلقت الكتب التي كانت تحملها فتاتنا الرقية، فنزلا معا في مشهد كلاسيكي ليجمعا الكتب وقلبيهما الذين سقطا من بين أضلعهما حين التقت عيونهما..

وصفولي الحب
أما في المشهد الذي يسبق المشهد الأول، فنرى بطل حكايتنا شارد الذهن، لا شيء يشغل تفكيره سوى ذلك الشعور المثير الذي يسيطر عليه، فهو يحس بفرحة تغمر صدره، لكنه لا يدري السبب.


«هو الآن لم يكن قد قابل حبيبته بعد» - جمل غريبة أليس كذلك؟ لكن لا عجب فالحكاية كلها غريبة..


نقول هو الآن لم يكن قد قابل حبيبته بعد ولن يقابلها أبدا، وبالتالي لن يفقدها، فنحن لا نفقد إلا ما نملك.. انمحت الحكاية بتفاصيلها الحلوة والمرة، لكن بقي فقط ذلك الشعور الذي يغمره.. شعور لا يخضع للوصف. حتى أنت يمكنك اختباره إذا عشت حياتك بشكل عكسي، وعدت لنقطة الصفر، لتصبح الحكاية «لا رجل قابل لا امرأة، فلم يكن أي شيء».


استطلاع رأى

هل تتوقع استمرار الاقبال علي التصالح في مخالفات المباني بعد مد المهلة؟