الثلاثاء 14 يوليه 2020...23 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

طبيب ولا تاجر؟ كلاهما!

مقالات مختارة 249

ليس هناك أي افتراء على الحقيقة المرة في المجتمع الطبى في مصر حاليا، حين نقول إن عددا كبيرا من السادة كبار الأطباء ينافسون بجدارة كبار التجار والبقالين في سرقة أعصاب المرضى وأهاليهم، والاستيلاء على ما لم يدخروه من أموال، بل يتسولونه ويقترضونه ويجمعونه جمعا من أطراف العيلة سدادا لبق وكرش الدكتور الجشع!

لا يمكن أن يحظى طبيب جشع على الناس بأى احترام، ولا يمكن أن يحظى بحماية مجتمعية، ولم يعد خافيا أن الحقد والحنق والاستكثار جميعها مشاعر سوداء يحملها المريض تجاه الطبيب، وبخاصة في المستشفيات الفندقية الاستثمارية التي صارت الآن في قبضة شركة عربية، "شغالة في السيطرة "على المعامل وعلى الأسماء العريقة لمستشفيات مصر.

إذا قدر الله أن تموت مرتين فستموت في مستشفى استفزازي، فاتورة فوق فاتورة فوق فاتورة، ألوف فوق ألوف من الجنيهات، لن تستطيع الوفاء بها ما لم تكن مسنودا على ثروة أو شركة محترمة أو نقابة قوية!

أما مستشفيات الدولة العامة، فالحجة الجاهزة أنه لا توجد أسرة بالعناية المركزة، زد إلى هذه المعاملة غير الآدمية، والشخط والنطر ومجموعات أمن في المداخل وفي المخارج، وفي الطوابق، وفي طوارئ المنصورة، أنت لا شيء بدون واسطة!

الواحد يصبح محظوظا حقا لو مات مرة واحدة.. لأن المرة الثانية هي الإهانة.. إهانة العوز والاحتياج، وإهانة استنزاف المال وإهانة التوسل والتسول. أجور الطبيب الخاص من خمسمائة إلى ألف وألف وخمسمائة، وبلغت البجاحة والوقاحة أن منهم من يطالبك في الإعادة بفلوس كشف جديد، أو دفع ٨٠% من قيمة الكشف!

لا عجب أن ينظر المريض إلى طبيبه نظرته إلى تاجر غشاش مفترى، وهو يدعو عليه من سويداء قلبه ألا يهنأ بما سلبه منه عنوة وابتزازا، بل لا عجب أن لا يطمئن إلى توجيهاته بالذهاب إلى المعمل فلان الفلاني أو عمل
إشاعة في المعمل العلانى، أو بشراء الدواء من صيدلية بعينها، أو يتقاذفه مع أطباء زملاء له من شاكلته!

في هذا السياق يصبح الاعتداء على معهد القلب جريمة ضد المريض، وانتصار لفئة ضالة من الأطباء تستنزف دماء المرضى في العيادات الخاصة.

وكما لا يجوز إطلاق الوحوش على الناس وهم في صحتهم وعافيتهم، فمن باب أولى لابد من تشريع يقيد حالة التوحش وعرض السعرة المادية التي تجتاح مستشفيات استثمارية وأطباء باشوات في الاتجار بالمرض.

المتاجرة بالخوف من الموت وبالألم لا تقل عن المتاجرة بأقوات الشعب، وكلاهما إرهابي في سياق مختلف، وإن أفضيا إلى نتيجة واحدة هي قتل الناس كمدا وغيظا وفقرا.

نقابة أطباء مصر كيف تحمي هؤلاء التجار ولا تؤاخذهم ؟! لأنها أضعف منهم.. وهمها السياسي غلب همها الطبى، وبرلمان مصر ولجنة الصحة والعافية كيف تتركهم يفترسون المرضى بلا قيود على التسعير؟

الغريب أن الوزارة المعنية تشكو من هجرة الأطباء الجدد بسبب تدني أجورهم، ولهم حق، وهم يستطيعون الهجرة، لكن المريض الموجوع البائس العاجز كيف له أن يهاجر.. ولمن وإلى أين؟

يوجد أطباء ملائكة بكل معنى الكلمة.. لكن الشياطين وأنسالهم أكثر! ستسقطون مرضى بالتأكيد!