الإثنين 13 يوليه 2020...22 ذو القعدة 1441 الجريدة الورقية

شبكة «القرآن الكريم».. لكلِّ شىءٍ إذا ما تمَّ نُقصانُ

مقالات مختارة 82

احتفلتْ شبكة القرآن الكريم هذا الأسبوع بمرور 55 عامًا على إنشائها، إذ انطلقتْ أواخر شهر مارس من العام 1964، لتكون منصَّة للتلاوات القرآنية والابتهالات الدينية.

وخلالَ فترة وجيزة تحولتْ الإذاعة الناشئة إلى منبر لتقديم الوجه الحضارى للإسلام من خلال أعلام العلماء الذين حملوا خطابًا وسطيًا مُستنيرًا، واكتسبتْ شهرة واسعة عند عموم المسلمين، خاصة في ظلِّ ما كانت تقدمه من أصواتٍ خاشعةٍ ورائدةٍ في تلاوة القرآن الكريم، تجويدًا وترتيلًا، جسَّد أصحابُها ما تعارفنا عليه بـ"دولة التلاوة".

ويبدو أن قولَ القائل: "ولكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُ" ينطبقُ على شبكة القرآن الكريم، التي ما لبثتْ أنْ توهجتْ حتى انطفأتْ وراح بريقها تدريجيًا، واعتلاها ما اعتلى قطاعات ماسبيرو من تراجع لا تخطئه عينٌ، ولا ينكره عاقلٌ، وعششتْ فيها الخلافاتُ التي خرجت إلى العلن، وتداولتها وسائلُ الإعلام على نطاق واسع.

افتقدتْ شبكة القرآن الكريم في الفترة الأخيرة معظم عناصر الجذب التي كانت تجعلها الإذاعة الأولى والأكثرَ استماعًا والأعظمَ جمهورًا، وتركتْ موقعها الذي احتفظت به طويلًا، طواعية، لإذاعاتٍ وقنواتٍ دينيةٍ حديثة العهد، وهذا ما لا ينكره مذيعوها والعاملون بها، ويعترفون ويقرون به، وإنْ تنصل كلٌّ منهم من المسئولية، وألقاها على غيره، سواء كان رئيسًا للشبكة، أو رئيسًا للإذاعة ككل.

وفى الوقت الذي توقع فيه الكثيرون بأن تضطلعَ أولى الإذاعات الإسلامية على مستوى العالم بمسئوليتها في تجديد الخطاب الدينى، والحرب على الإرهاب والتطرف، مع الحفاظ على تصدير الأصوات القرآنية المميزة، استكمالًا لإرث دولة التلاوة، إذ بالشبكة الرائدة تخيبُ الظنون، وتُخلفُ الوعودَ، وتثبت أنَّ الرهانَ عليها صارَ رهانًا خاسرًا.

لقد تآكلتْ المساحاتُ المُخصصة للقراء المُجيدين والمتميزين، سواء من جيل الرواد، أو جيل الوسط أو الجيل الجديد، وتحولتْ الشبكة إلى منصَّة لأصحاب الأصواتِ المُنطفئة والباهتة والتي ضلتْ طريقها إلى فن التلاوة، وتسللتْ في غفلة من الزمن إلى ميكرفون الإذاعة، بطرق وأساليبَ لا تخفى على أحد، لا سيما أهل ماسبيرو.

كما تشابهتْ أفكار البرامج، وافتقدتْ مع الوقت روح التوهج والإبداع ومواكبة العصر، وخاصمَ كثيرٌ منها العقلَ، وغلبتْ عليها النمطية، وصارتْ في بعض الأحيان أشبهَ بالإذاعة المدرسية التي يقدمُها تلاميذُ المدارس الريفية، فضلًا عن الخطيئة الكبرى بانخراطها في السياسة منذ العام 2013، بشكلٍ مُفرطٍ في السذاجة.

ويبقى السؤالُ الذي يجبُ أن يطرحه المُحتفلون بمرور 55 عامًا على إطلاقها، وجميعُهم لم يشاركْ في صناعة مجدها الزائل: هل شابتْ شبكة "القرآن الكريم" قبلَ المشيب، وهل ضاع الأملُ في أن تستعيد شبابها المفقودَ، وهل انهارتْ دولة التلاوة إلى غير رجعة، وتحولتْ الشبكة إلى بابٍ خلفىٍّ للباحثين عن الشهرة والمال والحصول على لقب "قارئ الإذاعة والتليفزيون"، وهل بالفعل أنهتْ مرحلة التمام ودخلتْ نفقَ النقصان بلا عودة؟!