الثلاثاء 29 سبتمبر 2020...12 صفر 1442 الجريدة الورقية

زلزلة «العودة»

مقالات مختارة 437

ملهم هذا الشعب الذي لا يزال مرابطًا في مواجهة العدو رغم الحصار، ملهم شعب فلسطين الأبي طوال تاريخه، وهو يناضل عندما كان في الأمة مناضلون يقفون معه، ملهم شعب فلسطين وهو يقاتل وحده، ترسانة السلاح الأمريكي الغربي لم توقف مسيرته، فاختار أن يخوض حربًا بمسيرات العودة التي تزلزل المحتل، اختار الفلسطينيون أن يواجهوا آلة الفتك الصهيونية بطائرات ورقية.
اضافة اعلان

أبدع أطفال فلسطين وشبابها في صنع سلاح قاهر لا ترصده رادارات تستطيع أن ترى كل شاردة وواردة، طائرات الصبية الورقية باتت تؤرق صناع الموت والسلاح في العالم، وضع الشباب داخل طائراتهم الورقية عبوات حارقة باتت تهدد المستوطنين في مضاجعهم، سببت لهم خسائر فادحة، وطاردت الأمان في بيوتهم التي باتت أضعف من أن تقف في مواجهة طائرة ورقية.

آخر إنجازات طائرات الصبية الورقية، قنبلة من المولوتوف محملة فوق طائرة من الورق تحرق مستودعًا زراعيًا بالكامل.. رادارات الكيان الصهيوني تقف عاجزة أمام الورق والخيوط، إطارات السيارات تصنع غلافًا ساترًا لمسيرات الشعب الأعزل، الشعب الزاحف إلى أرضه لا يحمل بارودا ولا صاروخا ولا دبابة، شعب اختار أن يذهل العالم بإبداعاته السلمية، شعب يواجه ترسانة الموت بالورق والخيوط والكاوتشوك.

وقود المسيرات البشرية السلمية المذهلة عبرت عنها الأمم المتحدة بقولها: "من العار إطلاق الرصاص على أطفال عزل"، ومن العار أيضا أن يقف العالم مشدوها أمام عبقرية الصبية المحملين بالأمل في مسيرات بشرية تقهر كل صنوف السلاح والعتاد والقتل، ومن العار أيضًا أن يطالب العالم المتمدين أصحاب الطائرات الورقية بإيقاف طائراتهم الحارقة، ولا يحرك ساكنًا أمام سلاح الفتك المحمل بكل صنوف المحرمات المنطلق من قواعد الاحتلال لقصف السائرين بصدور عارية.

مسيرات العودة الكبرى أصبحت لها هيئة، وأضحت مؤسسة دولية معترفا بتأثيرها القاهر، أصبحت بين يوم وليلة سلاح المقهورين في مواجهة القتل الممنهج والإبادة الجماعية، مسيرات العودة أضحت مصدر إلهام لكل صاحب حق في مواجهة المغتصب، مسيرات العودة أصبحت جزءًا من التاريخ الإنساني الحضاري الملهم، مسيرات العودة السلمية أصبحت المحرك لكل قوى الشر إنقاذًا لكيانهم المغتصب لأرضنا.

أكثر من أربعة آلاف ومائتي مصاب برصاصات العدو الغادر، وثلاثة وثلاثين زفافا في سماء الشهادة، ولا تزال المسيرات تقدم الدماء الزكية، لتروي تاريخ هذه الأمة، في وقت تصور البعض أنها ماتت وقبرت وتحللت بعد التعفن، مسيرات العودة تجاهد هناك وحكام عرب يعقدون الصفقات مع العدو، يبرمون اتفاقيات صداقة ويوقعون عهود أمان، ويبصمون على بيع التاريخ والجغرافيا والنضال والدماء.

مسيرات العودة إطلالة أمل وطاقة نور جاءت من العتمة لتبث فينا الأمل من جديد، تزرع فينا إرادة كنا نتصور أن بذورها ماتت فينا منذ سنوات، مسيرات العودة وطائرات الورق وكاوتشوك النار وزحف الصدور العارية أنشودة ترسم لنا طريقا ليس لعودة الأرض فقط وإنما لعودة الإسهام الحضاري العربي في التاريخ الإنساني.