السبت 26 سبتمبر 2020...9 صفر 1442 الجريدة الورقية

خاشقجي.. وفن صناعة الحدث

مقالات مختارة 887

لن أتوقف أمام الطريقة التي أودت بحياة الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ضرب أفضى إلى موت نتيجة مشاجرة.. أو قتل ثم تقطيع للجثة ثم إخفاء لها، فالطريقتان سواء حتى لو غلبت إحداهما الأخرى في البشاعة والإجرام.
اضافة اعلان

ولن أتوقف أمام الأسلوب الذي سلكه المتهمون لتنفيذ الجريمة، فسواء كان احترافيًا راقبته مخابرات تركيا وأمريكا.. أو أسلوب هواة ظنوا خطأ أنهم بمأمن عن الملاحقة، فالنتيجة واحدة.. كشف الجريمة بكافة تفاصيلها.

ولن أتوقف أمام مأساوية الحادث، فعلى الصعيد الإنساني.. يرفضه كل من يحمل قلبًا أو ضميرًا، وعلى الصعيد السياسي.. يرفضه كل من يحمل عقلًا سليمًا، ونتيجة لهذا الرفض.. كانت إدانة المملكة العربية السعودية للجريمة، وتقديمها المتهمين للعدالة.

ولن أتوقف أمام تعاطي جمال خاشقجي مع الأحداث في مصر، وتطاوله المستمر على النظام، فهذه الزاوية التي تخصنا شهدت انتقادًا له، وهجومًا عليه، لكنه لم يكن الهجوم الذي يفضي إلى موت.

سوف أتوقف أمام التناول الإعلامي للقضية، فبصرف النظر عن الطريقة التي أودت بحياة خاشقجي أو خطة استدراجه.. فنحن أمام حادث مقتل صحفي، وكان من الممكن أن يتناوله الإعلام في خبر أو تقرير أو تحقيق تليفزيوني تعقبه متابعات تتضاءل مساحتها في الصحف وعلى الشاشة شيئًا فشيئًا حتى تتوارى خلف أحداث أخرى، ثم تستدعيها الذاكرة كلما انتعشت بحادث مماثل، هكذا اعتدنا على هذا التناول لهذا النوع من الحوادث..

لكن ما حدث هو تحويل الحادث إلى حدث، وفرضه ليس فقط على صحف وشاشات العالم.. ولكن على رؤساء الدول والبرلمانات والشعوب، لتتحول قضية جمال خاشقجي إلى وجبة رئيسية نجح الإعلام في طهيها ففرضها على موائد الساسة والنخبة والعوام وأصحاب القرار.

ولأن الحروب لم تعد تقليدية، ولأن العقول أصبحت الجبهات البديلة للميادين، ولأن صناع الإعلام في قناة الجزيرة أدركوا ذلك مبكرًا.. علينا أن نقر بالإنجاز الذي حققته هذه القناة في قضية خاشقجي، ليكون الإنجاز الثاني لها بعد النجاح الذي حققته قبل سبع سنوات، عندما نشرت الفوضى في المنطقة وتبنت ما يسمى (الربيع العربي) الذي لم تطالها رياح تحمل نيرانه، ولا عواصف تحمل دماره.

نجحت قطر من خلال الجزيرة وقنوات الإخوان التي تمولها في فرض قضية جمال خاشقجي على العالم كله، وجعلتها حديث الصباح والمساء، وبها أحرجت قادة ولوت ذراع ساسة ووضعت دولًا في مأزق وأخرجت إعلام دول أخرى من السباق وأفقدت قنوات مصداقيتها وفصلت إعلاميين كبار عن جمهورهم بعد أن جردتهم من حيائهم.

قطر الصغيرة الضعيفة لا تمتلك إلا سلاحًا واحدًا هو الإعلام، ولا تمتلك من وسائل إعلامية فاعلة سوى الجزيرة، بها تحارب، ومن خلالها تنطلق إلى حيز المنطقة العربية لتصل إلى أقاصى العالم، وببرامجها اجتاحت الفوضى الدول العربية، قطر أدركت أن الحرب فكرة، فاستخدمت الجزيرة كمنصة للصواريخ الموجهة للعقول، تشير إلى الحقيقة مرة.. وتصنع الكذب ألف مرة، لكنها لم تفشل مرة واحدة في إصابة الهدف.

كاذب من يدعي أن قناة الجزيرة لم تحقق نجاحًا فشلت كل القنوات العربية في تحقيقه، حتى التي توفر لها المال والإمكانيات، ولا علاقة له بالإعلام من وصمها بالإفلاس عندما تركت كل شيء وسخرت كل برامجها لقضية خاشقجي، فلأن الإعلام فكرة كما الحرب.. كان الإلحاح في طرح القضية فكرة، اعتادت الجزيرة على استخدامها كأداة فاعلة في كل حروبها التي نالت من المنطقة.

لا يوجد شخص بدون أعداء، حتى الشخص.. قد يكون عدوًا لنفسه، ولا توجد دولة بدون أعداء حتى لو أغلقت أبوابها على شعبها وانفصلت عن العالم، لذلك من الطبيعي أن يكون لك عدوًا، لكن من غير الطبيعي أن تكون خانعًا ضعيفًا أمام عدوك، فدعونا نتعامل مع قطر على أنها عدو لا يتوقف عن محاولة النيل منا، أليست هناك قاعدة إسمها إعرف عدوك؟!

فمعرفتك بالعدو لا بد أن تسبق معركتك معه، حتى تقف على إمكانياته ومدى جاهزيته والأدوات التي يستخدمها، وقطر تستخدم سلاح الإعلام منذ تأسيسها لقناة الجزيرة، وقد وضحت الصورة أمامنا منذ سبع سنوات، فماذا فعلنا؟! لم نفعل شيئًا، كابرنا واستكبرنا وصوبنا اتهاماتنا تجاهها، اتهامات لم تنل منها، فإذا اتهمتها بالفبركة.. فهي أهل له، وإذا اتهمت الجزيرة بعدم المصداقية.. فلن يضيرها لأنه شعارها.

إذا تعاملنا مع قطر على أنها عدو لا سلاح تمتلكه سوى الجزيرة.. فما الذي أعددناه لعدونا؟! ألم يقل الله (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله)؟! 

أين قوتنا، هل هي في هذا الإعلام الذي خاصم المصداقية واعتمد على الشللية والمصالح الشخصية؟ أم أنها في مذيعين أقسموا ألا يفكروا قبل أن يتكلموا فيقولون الشيء ونقيضه في نفس الوقت؟ أم في سيولة من قنوات أدارت ظهرها للإبداع والأفكار وانتهجت عشوائية أعادتنا للوراء؟! 

إذا كانت الجزيرة عدوًا فلا عيب من أن تتعلم من عدوك فنون النزال ولا تكن كالذين (استكبروا استكبارا).
basher_hassan@hotmail.com