الأربعاء 12 أغسطس 2020...22 ذو الحجة 1441 الجريدة الورقية

أنا عارف وهو عارف وأنت كمان عارف !

مقالات مختارة 184

ربما يلخص الوضع الحالى للفساد نكتة شعبية بذيئة تسخر من وضوح الأمور المكشوفة للجميع، والتي يعتقد البعض أو يتوهم أنها سر، تقول النكتة التي تحكى عن انتهاك شخص شرف آخر (أنا عارف وهو عارف... وأنت كمان عارف! ).. الأمور واضحة جلية وأشد بذاءة من محتوى تلك النكتة بحيث لا يتغافل عنها كائن عاش في المحروسة في تلكم الأيام السوداء فيجد أناسًا تخطت ثرواتها الحرام حاجز الملايين لتتحدث بكل بساطة بالمليارات وتنفق ببذخ على ملذاتها بدرجة يستحيل معها تخيل أن تلك الأموال حلال أو مشروعه أو جاءت بمجهود !

الجميع يعلم حجم الفساد وتجبره وفجره علينا وعلى الوطن ولا يحتاج لتقرير المستشار هشام جنينة عن حجم الفساد الذي قدره 600 مليار في ثلاث سنوات أو في سنة واحدة، فقط إذا كانت الدولة جادة في محاربة الفساد الذي عليها أن تنظر حولها وتراجع كمية الأراضى التي تم نهبها عيانًا على مدى ثلاثة عقود والمسجلة بعقود فاضحة لكل من وهب دون حق وكل من انتفع بثروات المصريين وهم شلة المصالح الفاسدة والمعروفين بالاسم لدى العامة، فما بالك بالدولة التي تعرف كل كبيرة وصغيرة عن مواطنيها !
اضافة اعلان

ولكن المستشار الجليل هشام جنينة في الوقت ذاته يجب أن ينأى بنفسه وبشخصه المحترم عن أن يزج به أحد أو يورطه في التغطية على هذا الفساد.. نعم فعندما يحرمنا كمواطنين مصريين من حقنا القانونى والدستورى في معرفة بنود هذا الفساد تفصيلا وبالأسماء، يكون ذلك تغطية على الفساد الذي يمكن أن تغطى تكلفته كل الديون المصرية الداخلية في خلال ثلاث سنوات فقط.. خاصة أن الفاسدين أنفسهم يزايدون على وطنية الرجل ونزاهته بل يتبجحون بالطعن في نواياه ووطنيته من خلال أبواق الاسترزاق بالوطن وبسمعة شرفائه !

إذًا الفساد ليس للركب فقط كما صرح يومًا أحد أعمدة نظام حسنى مبارك والذي وصف جزءًا بسيطًا من منظومة الفساد التي سيطرت على كل شىء في دولة المحاسيب والأقارب وأهل الثقة وأهل الفجور، الفساد وصل للحلقوم حتى صار كل شىء حولنا ملوثًا وخانقًا وقاتلا لكل شريف أو وطنى أو حتى مواطن بسيط اعتاد على كمية فساد (معقولة) ومسموح بها من قوانين مميزة أو أجور متفاوتة قليلا وعود نفسه على قبولها انهزامًا ورضوخًا وخنوعًا لدولة القوة وفرض الأمر الواقع !

تخطى الفساد كل ذلك حتى صار مؤسسة في حد ذاته تفرض سطوتها على الجميع من خلال أذرع إعلامية وصحفية واقتصادية وغيرها يعلمها الجميع، ولكن لا يستطيع التصريح بها ولا بأشخاصها حتى لا يقع تحت طائلة القانون !

فقط الدولة هي من تستطيع محاسبة هؤلاء إن أرادت، فقط الرئيس هو من لديه القدرة والقوة على فعل ذلك إن أراد وسيجد تأييدًا ساحقًا من الجميع حتى من معارضيه وسيحيى بذلك شعبية متناقصة يومًا بعد آخر، فالفساد هنا يمكن أن يكون طوق نجاة للرئيس ونظامه إن أرادا إصلاحًا وتقويمًا للاعوجاج الذي سيكسر ما تبقى من قوام الوطن المنتهك على يد هؤلاء الفسدة الأشرار.

وهنا نسترجع ما قاله أستاذ الأجيال سياسيًا وصحفيًا، المخضرم محمد حسنين هيكل عندما دعا الرئيس صراحة للثورة على نظامه.. ربما كان هيكل أكثر خبرة ودراية من الجميع عندما قال نظامه وقتما كان الرئيس في بداية حكمه وقتها لأن النظام في مصر لم تغير حتى بعد ثورة يناير وموجة 30 يونيو، فالنظام ليس هنا مرادفًا للدولة في شكها الأمثل والمطلوب، النظام هنا معول هدم للدولة، كما ينبغى أن تكون ومدعاة لثورات قادمة وموجات انفجار نتمنى عدم حدوثها.

الفرصة إذًا سانحة للرئيس أن يكتسب ثقة حقيقية لا يجملها شو إعلامي مدفوع الأجر من الذين يحبون دوام الحال للأبد وهذا من المحال بحكم ظروف كثيرة إقليمية ودولية تؤثر فى الداخل وربما تغيره يومًا إن استمر النظام على قديمه !
fotuheng@gmail.com