رئيس التحرير
عصام كامل

«فيتو» التقت رئيس الجامعة الأمريكية قبل أيام من رحيله عن منصبه.. فرانسيس ريتشار دونى: مصر دولة قوية وآمنة.. و«بايدن» يدرك حجمها ودورها

فرانسيس ريتشار دونى
فرانسيس ريتشار دونى
بعد نهاية مدة عمله الرسمية فى رئاسة الجامعة الأمريكية، يستعد فرانسيس ريتشار دونى لمغادرة منصبه، غير أنه لا يخطط للابتعاد كثيرًا عن القاهرة، بل سيعود إلى أمريكا فى إجازة قصيرة، على أن يعود بعدها إلى القاهرة من باب «الأبحاث» بعدما سبق وأن دخلها من بوابة السياحة، والدبلوماسية، والتعليم أيضا.


«فيتو» مثلما حرصت منذ سنوات عدة على أن تكون صاحبة «الحوار الأول» مع «دوني» بعد توليه رئاسة الجامعة الأمريكية، حرصت -للمرة الثانية- عن أن تكون صاحبة «الحديث الأخير» قبل مغادرته منصبه، حيث التقته داخل مكتبه، وفتحت معه ملفات عدة، منها ما هو متعلق بسنوات إدارته للجامعة الأمريكية والعملية التعليمية والإنجازات التى حققها خلال السنوات الماضية.

ومنها ما هو خاص برؤيته -وفقًا لخبرته الدبلوماسية والسياسية العريضة- لمستقبل مصر ومنطقة الشرق الأوسط.. وكان الحوار التالى:

من السياحة إلى الدبلوماسية وأخيرا التعليم.. ثلاث مراحل مررت بها فى إطار علاقتك بمصر.. ما هو شعورك وأنت تغادرها الآن؟

فى البداية أريد أن أشكركم على هذه الفرصة قبل مغادرتى مصر وانتهاء عملى رئيسا للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأتذكر أن «فيتو» كانت أول منصة إعلامية تجرى معى حوارا صحفيًا بعد اختيارى لرئاسة الجامعة الأمريكية فى القاهرة، وستكون المنصة الأخيرة التى أتحدث إليها قبل رحيلى، خاصة أننى دائما أحب مخاطبة الـ«ميديا المصرية» والشعب المصرى باللغة العربية.

وأؤكد أننى أحب مصر وكنت دائما أراها حالة خاصة فريدة منذ اللحظة التى وصلت فيها مصر كسائح برفقة زوجتى فى سبعينيات القرن الماضى، ثم دبلوماسيًّا شابًا، كما اخترت سفيرًا لبلادى هنا فى القاهرة، حتى توليت منصب رئيس الجامعة الأمريكية والتى تعتبر مؤسسة متفردة فى العالم، رغم وجود أكثر من 3000 جامعة فى الولايات المتحدة، لكن AUC جامعة واحدة فقط موجودة فى مصر.

لذلك لنا شخصية خاصة جدا بين كل الجامعات فى العالم، وبالرغم من وجود فروع فى العراق ولبنان وأفغانستان وعدة دول وأيضا وجود العديد من الجامعات الكبرى البارزة فى مصر، لكننا متفردون بالشخصية الدولية الأمريكية وهى ميزة ليس لنا فقط ولكن لمصر أيضا، ففى النهاية نحن فى خدمة وتطوير مصر.

ما سر محبتك الواضحة لمصر؟

نحن على علم بعظمة هذه الدولة الكبيرة وإمكاناتها وإمكانات شبابها غير المحدودة، فرغم وجود مشكلات بلا حدود، لكن هناك إمكانات بلا حدود، فى نفس الوقت وهذا هو الممتع فى الموضوع، وأعظم هذه الإمكانات موجودة فى الشباب المصرى، ولدينا هنا فى الجامعة الأمريكية المصرية بالقاهرة عينة رائعة من الشباب ممن لديهم الرغبة ليس فقط فى بناء مستقبل شخصى فردى، لكن لديهم الرغبة أيضا فى خدمة البلد والمجتمع، وهذا الشيء ظاهر بصورة واضحة فى أدائهم فى الكورسات والمقررات وهذا مهم.

بالحديث عن الجامعة الأمريكية.. كيف يجرى قياس وعى ومهارات شبابها؟

أرى بنفسى الشغف الكبير لدى الطلاب فى الأنشطة الطلابية سواء فى الفن والمسرح والموسيقى والسياسة وكيفية المناقشة وإقناع الآخر من خلال الحوارات التى تجرى معهم أو فيما بينهم، على سبيل المثال أن يكون هناك طالب يدرس الهندسة ويخبرك أن أحد أهم الأيام بالنسبة له هو يوم الجمعة الذى يقدم فيه خدمة مجتمعية من خلال تعليم أطفال أيتام اللغة الإنجليزية.

هؤلاء هم طلبة الجامعة الأمريكية فليس كل الطلاب لدينا من الأغنياء، بالطبع هناك فئة منهم يقودون سيارات المرسيدس، لكن ليست الأغلبية العظمى، فالغالبية من الشباب المصرى الذكى الطموح الشغوف منهم من المتفوقين الحاصلين على المنح فى الثانوية العامة والبعض من المدارس الدولية والبعض من خريجى المدارس الخاصة أبناء الأسر المتوسطة التى تعتبر دفع مصروفات الجامعة نوعا من أنواع التضحية من أجل الأبناء.

لذلك دائما نوفر منحا لمثل هؤلاء الطلاب من المجتهدين المتفوقين، وهو الأمر الذى يبشر بالأمل فى مستقبل هذا البلد.

بشكل أكثر تفصيلًا.. حدثنا عن معركة الجامعة مع «كورونا»؟

أولا نحن لدينا ميزة، وهى وجود التركيز على دراسات التعليم والتعلم الإلكترونى فى نفس الوقت، والتى تعتبر من أكثر وسائل التعليم تأثيرا، فكنا مستعدين جيدا للتعليم الإلكترونى، استطعنا فى أسبوع واحد تدريب أعضاء هيئة التدريس على النظم الإلكترونية وطورنا النظم التكنولوجية الخاصة بنا، وحدثنا من الأدوات والـ«سوفت وير» والـ«هاردوير» الخاص بنا.

ودرسنا الشكل الأمثل لإجراء الامتحانات، ونجحنا فى تحقيق هدفين مهمين، الأول: حماية الجميع، ونسبة الإصابة داخل الجامعة تراوحت من 5 إلى 6% ممن أصيبوا بالفيروس، حيث نجحنا فى السيطرة على الفيروس ولم تشهد الجامعة أى حالات وفاة بسبب كورونا، كما نجحنا فى استئناف العملية التعليمية، وندعو المجتمع الجامعى دائما للتسجيل للحصول على اللقاح، حيث نركز فى الوقت الحالى على توفير المصل لكل التابعين للجامعة الأمريكية.

من وجهة نظرك.. ما المشروعات التى تعتقد أنها إنجاز يحمل اسمك بالجامعة الأمريكية؟

أعتقد أهمها إعادة تشجيع وتقوية العلاقات مع كل الجامعات المصرية، سواء الحكومية أو الخاصة من ناحية، والجامعات الأمريكية والدولية من ناحية أخرى، كما نجحنا فى إعادة الأجانب، ولا سيما الأمريكيين، إلى الجامعة الأمريكية، خاصة بعد الأحداث التى شهدتها مصر بين عامى 2011، 2013، والذين قرروا الرحيل بسبب الأوضاع التى كانت تشهدها البلاد آنذاك.

لكننا نجحنا فى إعادة الطلاب والأساتذة تدريجيا حتى العام الماضى، فكان هناك نجاح سنوى بهذا الشأن، وأؤكد أنه فى الوقت الحالى هناك اهتمام كبير من أوروبا وأمريكيا بأفريقيا بالدراسة بالخارج مرة أخرى، وعند عودتى لأمريكا سأشجع الأساتذة والطلاب للعودة إلى مصر وللجامعة الأمريكية بشكل خاص.

هدفنا ليس أن نكون رقم واحد فى مصر فقط، ولكن رقم واحد بين كل الجامعات فى العالم.

من هم أبرز رجال الأعمال الحريصين على دعم منح ومبادرات الجامعة الأمريكية؟

بصراحة أسماء عديدة من رجال الأعمال الداعمين والمؤيدين للجامعة منهم المصريون والأمريكيون وغيرهم، ومنهم معتز الألفي، حمزة الخولى، جانيت مصطفى، أما نجيب ساويرس فكان أكثرهم بشكل خاص؛ لأننا تعاونا سويا منذ عامين على تحويل الحرم الجامعى بالتحرير إلى مركز ثقافى لإعادة الروح للحرم الجامعى التاريخى، ومؤسسة ساويرس ساعدتنا من خلال تقديم منح للطلاب من ذوى الإعاقة.

ونحن فخورون وشاكرون جدا هذا الأمر، كما أنه هناك بعض المتبرعين الأمريكيين الذين يقدمون العديد من المنح لتمكين المصريين ممن لديهم الرغبة للدراسة بالجامعة لتوفير المنح المجانية لطلاب الثانوية غير القادرين، هؤلاء الأشخاص جميعهم يقدمون التبرعات من مالهم الخاص وليس من خزينة الحكومة الأمريكية.

كم يبلغ حجم المنح التى تم توفيرها خلال فترة رئاستك للجامعة؟

يمكننى القول إننا لدينا تركيز خاص وشديد لتمكين طلاب الثانوية العامة للقدوم والدراسة فى الجامعة، وإذا كان هناك رسالة واحدة أرغب فى إيصالها من هذا الحوار ستكون «أننا نعمل على تشجيع كل المصريين مهما كان موقف عائلاتهم المالى، إذا كان لديهم الرغبة فى خدمة البلد وبناء إمكانات فردية شخصية لهم، ويحلمون بدخول الجامعة الأمريكية، كل ما عليهم هو تقديم أنفسهم، وألا يقلقوا بشأن الماديات.

بعد الرحيل عن «الجامعة الأمريكية» خلال الشهر الجارى.. ما وجهتك القادمة؟

أريد الحصول على إجازة فى أمريكا لمدة شهرين، بعدها أريد أن تستمر علاقتى الشخصية والمهنية بمصر، لأننى لدى العديد من الأصدقاء هنا، وبالفعل تطوعت للعمل فى مركز الأبحاث الأمريكية فى مصر، فهم يدعمون علم الآثار، ويركزون على علم المصريات ويحضرون الأمريكيين ممن يحبون مصر لدراستها.

فالأجانب لديهم اهتمام شديد بمصر أحيانا أكثر من المصريين أنفسهم، وخصوصا فى تاريخ مصر ليس الفرعونى فقط، بل العصر الإسلامى، وحتى العصر الحديث، وعن طريق هذا يمكننى المشاركة فى تطوير المتحف المصرى الكبير، وتطوير مصر فى مجال الثقافة والتاريخ والفن، وحاليا أجرى اتصالات مع بعض الأصدقاء ولدينا أفكار مشتركة عن كيفية المساعدة والمشاركة فى أنشطة إيجابية ما بين مصر وأمريكا، فهناك العديد من الفرص، لكننى أريد التفكير بحرص فى اختياراتى فالوقت محدود فى الحياة.

ماذا عن خطة الجامعة الأمريكية خلال السنوات القادمة؟

لدينا برنامج كبير لتطوير الحرم الجامعى وتنميته، لدينا بالجامعة 6500 طالب، بينهم 1000 طالب فى الدراسات العليا، فكانت رؤيتنا منذ إنشاء مقر الجامعة فى التجمع الخامس أن يصبح المقر مدينة للتعليم، وبدأنا تحقيق ذلك فى المرحلة الأولى.

أما الآن فقد حان وقت المرحلة الثانية للتنمية نحو مستقبل المدينة الشاملة للتعليم، وبالفعل قمنا بالعمل مع واحدة من أشهر 10 شركات معمارية أمريكية فى نيويورك، وأجروا زيارة للجامعة فى شهر فبراير 2020، واستمر العمل بيننا إلكترونيا وقدمنا الخطة التى تواصلنا إليها مع الحكومة المصرية.

ونحن نتعاون مع الحكومة المصرية لأن فى النهاية مهمتنا هى خدمة مصر، وخلال الأعوام القادمة العالم سيرى الجامعة الأمريكية بالقاهرة بشكل أفضل بكثير.

فى أول حوار أجريناه معك عند توليك رئاسة الجامعة قلت إن مصر ستتخطى أزماتها.. كيف ترى وضع مصر حاليا فى عام 2021؟

كنت ولا أزال متفائلًا بشأن مصر، فكما قلت سابقا هناك مشكلات بلا حدود، لكن أيضا إمكانات مصر بلا حدود، وأستطيع أن أؤكد أن مصر من أفضل الدول فى التعامل مع أزمة كورونا، كما أنها نجحت فى الملف الاقتصادى.

وفى ملف الإرهاب أقول إنها أدارت هذه الأزمة بعناية، مصر ككل الدول الكبرى فى العالم لها ثقلها فى المسرح الدولى ولها مسئوليات ونفوذ فى العالم وتمارس ذلك بشكل جيد جدا عالميا، كما أننى شرفت بمقابلة الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصيا عدة مرات منذ قدومى إلى مصر ومرتين فى نيويورك قبل توليه رئاسة الجمهورية.

كيف ترى علاقة الإدارة الأمريكية الجديدة مع نظيرتها المصرية؟

فى الحقيقة أنا متفائل جدا، وأتشرف بمعرفة الرئيس الحالى جو بايدن شخصيا، والتقيت به قبل توليه الرئاسة، وأراه رجلا معتدلا على دراية برؤساء البلدان الأخرى، ويحترم البلاد والعلاقات والاتفاقيات الدولية، ويعرف جيدا معنى إدارة الحكومة، ويحترم مصر ودورها فى العالم.

بحكم خبرتك الطويلة دبلوماسيا وسياسيا.. من وجهة نظرك ما الطريق لإنهاء الصراعات فى الشرق الأوسط؟

العالم يتغير وكل الدول المهمة والديناميكية مثل: (مصر، أمريكا، تركيا، إسرائيل، وفلسطين) تتغير كل يوم، وهناك إمكانات مختلفة لدى تلك الدول، فالشباب لديهم تطلعات مختلفة، سيكون هناك استقرار فى كل أنحاء العالم فى مجال الأنشطة الإنسانية، فالدول الكبرى وبينها مصر لديهم مسئوليات وأدوار مهمة.

وحتما لن يمكنهم الاستمرارية فى كونهم فى هذه المكانة إلا إذا أدركوا هذا الدور جيدا، فهذا ليس اختياريا، فالشعب الأمريكى إذا فقد دروه ستفقد أمريكا تأثيرها وتصبح دولة كبرى فقط وليست عظمى، ومصر إن لم تواصل مسئوليتها ودورها الكبير فستظل دولة ضخمة لديها شعب كبير.

لكن إذا توفرت لديها الثقة بالنفس وليس الفخر فقط، ستحقق أمورا عظيمة، وأؤكد لك أن مصر دولة قوية وآمنة، فلديها علماء عظماء يساعدون فى حل الأزمات والمشكلات الدولية، سواء مشكلات (البيئة والطاقة، والتجارة، والتمويل الخارجى، والأوبئة) فمصر يمكنها المساعدة فى حل كل هذه المشكلات، أنا واثق أنه يمكنها القيام بهذا الدور.

الحوار منقول بتصرف عن العدد الورقي...
الجريدة الرسمية