رئيس التحرير
عصام كامل

ما حكم تعدد المساجد في بلد واحد دون حاجة في صلاة الجمعة؟.. دار الإفتاء تجيب

مساجد
مساجد
ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه "في قريتنا ثلاثة مساجد أحدها المسجد الكبير القديم الذي هو أول مسجد بني في القرية وأقيمت فيه الجمعة، وهذا المسجد الجامع الكبير يسع جميع أهل البلدة وزيادة لصلاة يوم الجمعة، وفي يوم الجمعة يتفرق الناس في المساجد الثلاثة لصلاة الجمعة من غير حاجة أو عذر لهذا التفرق، ويكون الفراغ يوم الجمعة في المسجد الكبير يزيد عن نصف المساحة، والمساجد الأخرى يكون الفراغ في كل مسجد حوالي ربعه، فما حكم صلاة الجمعة في حالة تعدد المساجد لغير حاجة مع إمكان الاجتماع في مسجد واحد لصلاة الجمعة؟ فهل تصح الجمعة، أو لا تصح؟ وإذا كانت صلاة الجمعة لا تصح فهل نصلي الظهر بعد صلاة الجمعة أو لا؟، وجاء رد الدار كالتالي: 



اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في إقامة الجمعة في موضعين أو أكثر في بلد واحد:
ففي الفقه الحنفي: يجوز أن تؤدى الجمعة في المصر في مواضع كثيرة، وفسروا المصر بأنه ما له أمير وقاضٍ ينفذ الأحكام، أو هو ما لا يسع أكبر مساجده أهله.


وفي فقه الشافعية: إن تعددت الجمعة لحاجة؛ كضيق مسجد واحد عن استيعاب من وجبت عليهم صلاة الجمعة من أهل البلدة صحت الصلاة في المساجد جميعها.

وفي فقه المالكية: إذا تعددت المساجد المبنية في البلد الواحد فلا تصح الجمعة إلا في المسجد القديم، وفسَّروا المسجد القديم بأنه الذي أقيمت فيه الجمعة أولًا في البلد وإن تأخر بناؤه، وبطلت في الجديد.


تعدد المساجد في بلد واحد دون حاجة

وفي فقه الحنابلة: إذا استوفت الجمعة شروطها صحت سواء كان المسجد واحدًا أم متعددًا لحاجة.

والمستفاد من فقه هذه المذاهب بوجه عام أن الحاجة متى استدعت تعدد المساجد التي تقام فيها الجمعة صحت، أما إذا لم تكن هناك حاجة لتعدد المساجد بأن كان المسجد الكبير يسع جميع المصلين -كما ورد بالسؤال- فالأولى والأفضل أن يصلي الناس في مسجد واحد وهو المسجد الجامع أو الكبير؛ تحقيقًا للحكمة الشرعية من صلاة الجمعة.

وهي جمع الناس على كلمة سواء، وإن كان يجوز ولا تحرم صلاة الجمعة في جميع المساجد؛ اعتمادًا على مذهب الإمام أحمد وهو أحد مذاهب فقه السنة والجماعة، وكلهم من رسول الله ملتمس، ولأن الدين يسر لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].



حكم تأخير صلاة الجمعة عن أول وقتها

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه " ما حكم تأخير صلاة الجمعة عن أول وقتها؛ لأجل اجتماع المصلين، والقرية لم يكن بها إلا جامعٌ واحدٌ، فهل يجوز تأخير صلاة الجمعة عن أول وقتها لاجتماع المصلين أم لا؟، وجاء رد الدار كالتالي:

تأخير الجمعة عن أول الوقت جائزٌ كتأخير الظهر مطلقًا؛ سواء كان في زمن الصيف أو في زمن الشتاء متى وقعت الصلاة بأكملها في وقتها، ولكن الأفضل في زمن الشتاء هو التبكير أي التعجيل، وفي زمن الصيف هو التأخير.


تأخير صلاة الجمعة عن أول وقتها لاجتماع المصلين


وحَدُّ التأخير زمنَ الصيف أن يُصلِّيَ قبل بلوغ ظلِّ كلِّ شيءٍ مثله؛ قال في "البحر" (1/ 260) عند قول "الكنز": [وندب تأخير الفجر وظهر الصَّيف] ما نصه: [أَيْ: نُدِبَ تَأْخِيرُهُ؛ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: "كَانَ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ"، وَالْمُرَادُ: الظُّهْرُ؛ لِأَنَّهُ جَوَابُ السُّؤَالِ عَنْهَا، وَحَدُّهُ: أَنْ يُصَلِّيَ قَبْلَ الْمِثْلِ، أَطْلَقَهُ فَأَفَادَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِجَمَاعَةٍ أَوْ لَا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادٍ حَارَّةٍ أَوْ لَا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ لَا. وَلِهَذَا قَالَ فِي "الْمَجْمَعِ": وَنُفَضِّلُ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ مُطْلَقًا، فَمَا فِي "السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ" مِنْ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ فَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ -عَلَى مَا قِيلَ- وَالْجُمُعَةُ كَالظُّهْرِ أَصْلًا وَاسْتِحْبَابًا فِي الزَّمَانَيْنِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْإِسْبِيجَابِيُّ] اهـ.


حكم التخطي بين المصلين 

كما ورد سؤال إلى دا الإفتاء يقول فيه صاحبه " في ظل الإجراءات الاحترازية من عدوى كورونا، والتزام المصلين بالتباعد بينهم في الصفوف؛ تحرزًا من الوباء، وخوفًا من انتقال عدواه؛ فهل والحالة هذه يجوز للمصلي المرور بين الجالسين يوم الجمعة في وقت الخطبة، إذا وجد مكانًا خاليًا في الأمام يريد أن يجلس فيه؟ وهل حكم الجمعة كغيرها من صلوات الجماعة؟، ومن جانبه أجاب الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية على هذا السؤال كالتالي:

نهى النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عن تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، وأن يُفرِّقَ الرجل بين الاثنين؛ لِما في ذلك من سوء الأدب وإيذاء الجالسين؛ فعن عبد الله بن بُسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب النّاس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اجْلِسْ؛ فَقَدْ آذَيْتَ، وَآنَيْتَ» أخرجه الإمام أحمد والبزار في "مسنديهما"، وأبو داود والنسائي في "سننيهما"، وابن خزيمة في "الصحيح"، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، و"معرفة السنن والآثار".


وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: "لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة، خير له من أن يقعد، حتى إذا قام الإمام يخطب جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة" أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" وابن أبي شيبة في "المصنف".


ومع اختلاف الفقهاء في النهي الوارد عن التخطي؛ هل هو قبل جلوس الإمام على المنبر أم بعده؟ إلَّا أنهم مجمعون على أنه لا يفسد شيئًا من الصلاة.


قال الإمام ابن عبد البر في "الاستذكار" (2/ 50، ط. دار الكتب العلمية):
[روى ابن القاسم عن مالك قال: أكره التخطي إذا قعد الإمام على المنبر، ولا بأس به قبل ذلك إذا كان بين يديه فُرَجٌ. وقال ابن وهبٍ عنه مثل ذلك، وزاد: تخطَّ قبل خروج الإمام في رفق. وذكر الثوري التخطي مطلقًا. وقال الأوزاعي: التخطي الذي جاء فيه القول إنما هو والإمام يخطب؛ حينئذ كره أن يفرق بين اثنين.

وقال الأوزاعي في الذي يجلس على طريق الناس في المسجد يوم الجمعة: تَخَطَّوْهم؛ فإنهم لا حرمة لهم. وقال الشافعي: أكره تخطيَ الرقاب يوم الجمعة قبل دخول الإمام وبعده؛ لما فيه من سوء الأدب.


وذكر محمد بن الحسن عن مالك أنه قال: لا بأس بالتخطي بعد خروج الإمام. قال محمد: أراه قبل خروج الإمام ولا أراه بعده؛ ولم يحك عن أصحابه خلافًا في ذلك.
وأجمعوا أن التخطي لا يفسد شيئًا من الصلاة] اهـ.


أحكام صلاة الجمعة في زمن الوباء 
وقد نص العلماء على أن المقصود من النهي عن التخطي في هذه الأحاديث: هو حثُّ المسلم على التبكير للجمعة، وأن لا يتباطأ في حضورها فيأتي وقد جلس المصلين فيتخطى رقابهم ويسبب لهم الإيذاء، وأن لا يزاحم مُصليَيْنِ فيدخل بينهما فيُضيِّق عليهما.

قال الإمام الطيبي في "الكاشف عن حقائق السنن" (4/ 1273، ط. نزار الباز) في شرح معنى النهي عن التخطي: [كناية عن التبكير، أي: عليه أن يُبَكِّر، فلا يتخطى رقاب الناس، ويفرق بين اثنين، أو يكون عبارة عن الإبطاء، أي: لا يبطئ حتى لا يفرق] اهـ.


وقال الإمام البدر العيني في "عمدة القاري" (6/ 175، ط. دار إحياء التراث العربي): [ويقال: معناه لا يزاحم رجلين فيدخل بينهما، لأنه ربما ضيق عليهما، خصوصًا في شدة الحر واجتماع الأنفاس] اهـ.


وهذه العلة تشمل الجمعة وغيرها من الصلوات، والتقييد بالجمعة جريٌ على الغالب؛ لاختصاصها بالمكان وكثرة الناس؛ ففي قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتخطي يوم الجمعة: «آذَيْتَ، وَآنَيْتَ» بيان أن التخطي أذى، ولا يحل أذى مسلم بحال؛ في الجمعة وغير الجمعة؛ كما قال الإمام ابن عبد البر المالكي في "التمهيد" (1/ 316، ط. أوقاف المغرب).


وقال الإمام البدر العيني في "عمدة القاري" (6/ 208): [قلت: هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في المساجد وغيرها، وسائر المجامع من حلق العلم وسماع الحديث ومجالس الوعظ، وعلى هذا يحمل التقييد بيوم الجمعة، على أنه خرج مخرج الغالب؛ لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس، بخلاف غيره] اهـ.

أحكام الصلاة في زمن الكورونا 
وقال الإمام القسطلاني الشافعي في "إرشاد الساري" (2/ 177، ط. المطبعة الأميرية): [قال ابن جريج: (قلت لنافع: الجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها) بالنصب في الثلاثة على نزع الخافض، أي في الجمعة وغيرها. ولأبي ذر: والجمعة؟ قال: الجمعة وغيرها.. أي: الجمعة وغيرها متساويان في النهي عن التخطي في مواضع الصلوات] اهـ.

وقال العلامة الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (10/ 170، ط. دار السلام): [والظاهر أنه عامٌ في غير الجمعة من أوقات انتظار الجماعات] اهـ.


فالنهي عن التخطي يفيد الكراهة، وقد تقرر أن الكراهة تزول بأدنى حاجة؛ كما نص عليه الإمامُ ابن مازه الحنفي في "المحيط البرهاني" (2/ 192، 5/ 403، ط. دار الكتب العلمية)، والإمامُ النووي في "المجموع" (1/ 486، ط. دار الطباعة المنيرية)، والعلامةُ السفاريني الحنبلي في "غذاء الألباب" (2/ 22، ط. مؤسسة قرطبة).


ولذلك جاءت الأحاديث بما يفيد الجواز إذا كانت هناك حاجة للتخطي؛ فعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه، قال: صليت وراء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة العصر، فسلم، ثم قام مسرعًا، فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: «ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ» أخرجه البخاري في "الصحيح".


أدلة جواز التخطي بين المصلين 
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر رضي الله عنه، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف.. الحديث، متفقٌ عليه.


وقد نص الفقهاء على جواز التخطي عند الحاجة، وبوَّبوا على هذه الأحاديث بذلك؛ كما فعل الإمام ابن تيمية الجد في "المنتقى" (ص: 296، ط. دار ابن الجوزي)، واستثنوا من الكراهة المذكورة صورًا يجوز عندها التخطي وشقِّ الصفوف.

قال الإمام الشهاب الرملي الشافعي في "حاشيته" المطبوعة مع "أسنى المطالب" (1/ 268، ط. المطبعة الميمنية):


[ويستثنى من كراهة التخطي صورٌ: منها: الرجل العظيم في النفوس إذا ألف موضعًا فلا يكره له؛ لقصة عثمان المشهورة وتخطيه ولم ينكر عليه، قاله القفال والمتولي، قال الأذرعي: وهو ظاهر فيمن ظهر صلاحه وولايته.


ومنها: ما إذا أذن له القوم في التخطي، فلا يكره لهم الإذن والرضا بإدخالهم الضرر على أنفسهم، إلا أن يكره لهم من جهة أخرى، وهو أن الإيثار بالقرب مكروه، كذا قاله ابن العماد الأقفهسي] اهـ.


وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (8/ 205، ط. مكتبة الغرباء):
[ومتى احتاج إلى التخطي لحاجة لا بد منها من وضوء أو غيره، أو لكونه لا يجد موضعًا للصلاة بدونه، أو كان إمامًا لا يمكنه الوصول إلى مكانه بدون التخطي: لم يكره، وقد سبق حديث عقبة بن الحارث رضي الله عنه في قيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته مسرعًا، يتخطى رقاب الناسِ.


وكذا لو ضاق الموضع وآذتهم الشمسُ، فلهم -إذا أقيمت الصلاة- أن يشقوا الصفوف ويدخلوا لأذى الشمس، نص عليه أحمد في روايةٍ الأثرم] اهـ.

فضل صلاة الجمعة 
كما أن النهي عن التخطي مقيَّدٌ بحصول الإيذاء، فإذا انتفى الإيذاء انتفى النهي؛ لما تقرر في قواعد الفقه من أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، ولذلك جوَّز العلماء التخطيَ في الحالات التي ينتفي عندها الإيذاء.
فعن الحسن قال: "لا بأس أن يتخطى رقاب الناس، إذا كان في المسجد سعة" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف".


قال العلامة ابن مازه الحنفي في "المحيط البرهاني" (2/ 91، ط. دار الكتب العلمية): [إذا حضر الرجل يوم الجمعة والمسجد ملآن: إن كان تخطيه يؤذي الناس لم يتخطَّ، وإن كان لا يؤذي أحدًا بأن لا يطأ ثوبا ولا جسدًا: لا بأس بأن يتخطى ويدنو من الإمام] اهـ.


وقال الإمام ابن بطَّال في "شرح صحيح البخاري" (2/ 463، ط. مكتبة الرشد): [وقال المهلب: التخطي لا يكون مكروهًا إلا في موضع يشتغل الناس فيه عن الصلاة أو عن الخطبة؛ فحينئذ يكره التخطي من أجل شغل الناس بمن تخطاهم عما هم فيه من الذكر والاستماع، وقد تحضر الإنسان ضرورة حقن أو ذكر حاجة يخشى فوتها، فيستجاز التخطي في ذلك؛ كالراعف والمحدث يخرج من بين الصفوف] اهـ.


دعاء صلاة الجمعة 
وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في "فتح الباري" (8/ 205): [ومتى كان بين الجالسين فرجة، بحيث لا يتخطاهما، جاز له أن يمشي بينهما، فإن تماست ركبهما بحيث لا يمشي بينهما إلاّ بتخطي ركبهما: كره له ذلك، فإن كانا قائمين يصليان، فمشى بينهما ولم يدفع أحدًا، ولم يؤذه، ولم يضيق على أحدٍ: جاز، وإلَّا: فلا] اهـ.


والتباعد بين المصلين في الصفوف بسبب جائحة "كورونا" (19-COVID)؛ بحيث يترك المصلي مسافةً بينه وبين من يجاوره؛ وبينه وبين من يصلي أمامه وخلفه: يُسوِّغ المرور بين المُصلين على ما قيَّد به الفقهاء جواز التخطي، لانتفاء معنى الإيذاء؛ بحيث إنَّ المارَّ لا يؤذي أحدا، ولم يدفع أحدًا، ولم يضيق على أحدٍ، ولم يطأ ثوبًا ولا جسدًا، ولا يمر في موضعٍ يشغل الناس فيه عن الصلاة أو عن الخطبة.


حكم التباعد بين المصلين 
غير أنه لا بد أن يكون ذلك بقدر الحاجة؛ حتى لا يشوِّش على المصلين، وأن يُراعي المار إجراءات التباعد؛ حفاظًا على نفسه وغيره، وأن لا يجعل من هذه الإجراءات تكأةً للمرور بين المصلين وجعلها كالطرقات.


وبناءً على ذلك: فيجوز للمصلي -في حالة تطبيق التباعد بين المصلين بسبب فيروس كورونا المستجد- المرور بين الجالسين يوم الجمعة في وقت الخطبة قدر الحاجة إذا وجد مكانًا خاليًا في الأمام يريد أن يجلس فيه، ولا يدخل ذلك ضمن النهي الوارد عن التخطي عن رقاب الناس؛ لانتفاء معنى الإيذاء.


على أنه ينبغي الاقتصار على قدر الحاجة في المرور؛ حتى لا يشوش المار على الجالسين إنصاتهم لخطبة الجمعة، وعلى الحاضرين أن يعملوا على إتمام الأماكن المخصصة للصلاة في الصفوف الأول ثم الأول؛ حتى لا يُلجِئوا المتأخرين إلى تخطي الرقاب وشق الصفوف.


ولا بد في ذلك كله من مراعاة إجراءات التباعد واتخاذ كافة الوسائل للحفاظ على نفوس الناس، واتباع تعليمات الجهات المسؤولة وأهل الاختصاص، والالتزام بما يوصون به من نُظُمٍ وقائية وتوجيهاتٍ حِمائية.


حكم تخطي الرقاب أثناء خطبة الجمعة
وكما رد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه " بعض المصلين يقومون بجمع التبرعات في المسجد أثناء صلاة الجمعة والخطيب على المنبر ويتخطون الصفوف لجمع هذه التبرعات، فما حكم الشرع في ذلك، وهل هناك فرق بين أن يقوم الكبار والصغار؟ وهل يجوز ذلك في الخطبة الأولى أو الثانية؟، وجاء رد الدار كالتالي: 


أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرض عين وأنها ركعتان؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: 9].
وإنما تجب صلاة الجمعة على المسلم الحر العاقل البالغ المقيم القادر على السعي إليها، الخالي من الأعذار المبيحة للتخلف عنها، ولكن لا تجب الجمعة على الصبي.




وذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعية الخطبة في الجمعة ومشروعية القيام للخطبتين والجلوس بينهما جلسة خفيفة، كما أنه يجب الإنصات أثناء الخطبة وحرمة الكلام أثناء الخطبة ولو كان أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن منكر؛ لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِى يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَا جُمُعَةَ لَهُ» رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني واللفظ له.


أما بالنسبة لتخطي الرقاب فقد حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشددوا في ذلك، فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ -أي وتأخرت في المجيء إلى الصلاة-» رواه أبو داود والنسائي وأحمد واللفظ له.


أحكام صلاة الجمعة

ويستثنى من ذلك الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة، بشرط أن يتجنب أذى الناس، وقد قرر جمهور الفقهاء أنه يحرم تخطي الرقاب حال الخطبة يوم الجمعة. من كتاب "الدين الخالص" (4/ 146).


وبناءً على ذلك: يحرم تخطي الرقاب أثناء خطبتَي الجمعة، ولمن وجبت عليه صلاة الجمعة ما عدا الأمور المستثناة كالإمام وكالضرورة، وبشرط ألا يؤذي المصلين.

وجمع التبرعات والإمام يخطب ممنوع شرعًا؛ لما ورد من الأحاديث السابقة؛ لتأذي الناس، وحرمة تخطي الرقاب إلا للضرورة كما ذكر. ومما ذكر يعلم الجواب عما جاء بالسؤال إذا كان الحال كما ورد به.
الجريدة الرسمية