الثلاثاء 19 يناير 2021...6 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

لماذا يعادي الإخوان والسلفيون والعلمانيون اليسار الإسلامي؟

سياسة

أحمد فوزي سالم


ظهر اليسار الإسلامي بقوة منذ خمسينيات القرن الماضي، وترهل وانتهى دوره، ولا يزال محل حرب شعواء بين كافة الأطراف المتصارعة فكريًا وسياسيا، سواء بين الإسلاميين أنفسهم، أو العلمانيين والليبراليين واليسار والماركسيين، وكافة الاتجاهات السياسية التي تعتبر اليسار الإسلامي نطفة مشوهة، هذا يتهمه بسرقة مشروع الماركسية، وذاك يعتبره مؤامرة كبرى لضرب المشروع الإسلامي وتشويه مقاصده. اضافة اعلان


كيف كانت بدايته في مصر؟
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، تصدى سيد قطب، أحد أهم مفكري ومنظري جماعة الإخوان الإرهابية، لسن مبادئ مشروع عصري يستطيع اختراق المأسورين بالحضارة الغربية، ومنطلقاتها الفكرية، ولا يعرف الكثيرون أن كتاب معالم في الطريق، إحدى موسوعات الإخوان، كانت تلتف حول هذا المعنى.

تبع سيد قطب في تناول هذه القضية، الدكتور مصطفى السباعي، الذي أبهر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مُلهم الاشتراكية الأول في الوطن العربي وقتها، بتأليف كتاب أحدث ثورة في الفكر الإسلامي وأسماه «اشتراكية الإسلام»؛ واستطاع الكتاب تفجير حالة من الجدل والزخم في طول البلدان العربية والإسلامية وعرضها، وما أعطى لهذه الحالة زخمًا إضافيًا بأضعاف مضاعفة، اهتمام عبد الناصر بالمشروع وإشادته الدائمة به.

ولم تتوقف محاولات تثوير الخطاب الإسلامي عند قطب والسباعي، بل انضم إليهم الإسلاميون العائدون من الماركسية، مثل الدكتور «محمد عمارة» الذي أصدر كتابا يدور حول نفس الإطار وهو «الإسلام والثورة»، وفي وقت لاحق قدم شروحات جديدة حول نفس الأفكار في كتاب آخر أسماه «التغيير الاجتماعي عند عمر بن الخطاب».

الانتقال بعقلية المواطن المصري والعربي، من ترسيخ القومية العربية بمذاهب وقناعات ومبادئ الاشتراكية السائدة في ذلك الوقت إلى ترسيخ نفس الأفكار بصبغة دينية يفهمها العامة، ترتكز على العدالة الاجتماعية في الدين الإسلامي، كان هدفا وفكرة تبدو متفق عليها عرفيا بين السلطة وبعض طوائف الإسلاميين في ذلك الوقت، ولم يختلف المشروع كذلك من أفكار التقدميين والتيارات السياسية التي تسعى إلى تحديث المجتمع والتعاطي مع المتغيرات العالمية، مع المحافظة على الأصول والتقاليد ولكنه بمفهوم عصري.

أزمة اليسار الإسلامي وعدم قابليته للتنفيذ، تظهر واضحة بشدة في فهم أحد أهم عظمائه، الدكتور حسن حنفي، أستاذ الفلسفة الإسلامية، للحالة التي يرتكز عليها هذا التيار، فهو برأيه ليس حزبا سياسيا، ولا يمكن أن يجتمع تحت سقف واحد مع المعارضة، ولكن ما يهدف إليه هو نهضة الأمة والارتفاع بوعيها الثقافي والفكري من منظور مختلف.

ويؤكد حسن حنفي في أغلب مقالاته على كون اليسار الإسلامي، مجرد حركة تأخذ منطلقات شعبية، بجانب كافة القيم والأهداف التي تأسست عليها معركة الوعي، في شقها السياسي والاقتصادي والفكري والديني، ويعتبر حسن حنفي مصادر هذه الحركة مقتصرة على القرآن أولا، ثم قيم وأهداف الحضارة الغربية، والتراث القديم للدين الإسلامي في المنطقة العربية الذي صنع مجد الأمة وكان أساس انتشارها.

المثير أن ما يسمى بـ«اشتراكية الإسلام»، وبالرغم من بريق الشعار ودلالاته الاجتماعية والسياسية، إلا أنه لم يحقق أدنى انتشار أو تواجد مقابل التيارات والحركات الأخرى، وبعد سلسلة الأزمات والحروب التي تعرضت لها الدولة المصرية في ستينات القرن الماضي، انتهاء برحيل عبد الناصر، وقع المشروع في مرمى الصراعات والجدل، وكانت التهمة التي تواجهه بعنف «سرقة الماركسية».

ولم تفلح محاولات بعض منظري اليسار، في محاولة إبصار المجتمع ومفكريه بحقيقة التيار الرامية إلى التوفيق بين الماركسية ومشروع العدالة الاجتماعية في الإسلام، وهو ما أوقع اليسار الإسلامي في صراع طاحن مع أغلب الاتجاهات السياسية والفكرية، الأمر الذي أحاله إلى الاستيداع مبكرا ولا يزال محل انتقادات شديدة ومحاولات لإخفائه من الوجود والقضاء عليه.

ويرى إبراهيم ربيع الباحث في شئون الجماعات الإسلامية أن مشروع اليسار الإسلامي مثل غيره يقف على نفس أرضية الإسلاميين وجميعها تقود إلى نفس النتائج، موضحا أن الإسلام السياسي لا يمكن الوثوق به مهما حاول التمسح بالغرب والاقتداء به.

ويؤكد «ربيع» أن الإسلاميين بأكملهم ضد مفاهيم الحداثة وأغبلهم يكفرون بها ويعتبرونها من الأساس موجهة لهدم الدين الإسلامي، ولهذا اختلفوا مع ما يسمى باليسار بل وكانوا أشد منتقديه بكل عنف، موضحا أنه لم يُحصل أي شعبية منذ ظهوره وحتى انتهاء وهجه.

ولفت إلى أن العقل الديني لا يفكر إلا في كيفية جر المجتمعات العربية والإسلامية إلى الأصولية والرجعية، موضحا أن كل شخص ينضم إلى أي تيار ضمن الحركات الدينية هو مشروع داعشي صميم، فقط أعطاه الحرية والظروف وهو سيتكفل بالباقي.