رئيس التحرير
عصام كامل

على صوت فيروز وكيفك أنت.. محمد الماغوط كان هنا قبل قليل.. حكاية فيلم لم ينجز

محمد الماغوط
محمد الماغوط

في كتابه «محمد الماغوط.. سنوات الضجر».. يزيح الكاتب السوري خليل صويلح، النقاب عن واحد من أسرار «حياة الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط»، وهو السر المتعلق بـ«فيلم»، حيث يقول «صويلح»: قبل نحو ثلاث سنوات أقنعت محمد الماغوط بعمل فيلم عن حياته، وكان من شروطه ألا يظهر في الشريط، وبعد مماطلة، وافق على تصوير لقطة واحدة صامتة، فقد كان وقتها يعيش عزلة اضطرارية نتيجة المرض والكآبة.



البحتري
ويضيف خليل صويلح: خلال تنقيبي في أرشيفه الضخم الذي كان يضعه في «السقيفة»، اعتقدت أنني وجدت بوصلة الفيلم، ففي إحدى مقابلاته القديمة قال جملة مؤثرة: «لدى أغنية (كيفك أنت) لفيروز أهم من كل شعر البحتري»، فقلت لنفسي سوف تكون هذه الأغنية خلفية الشريط بأكمله، على أن يكون عنوان الفيلم «محمد الماغوط كان هنا قبل قليل»، وبناء على هذه الفكرة، فإن مهمة الكاميرا هي تفقد الأمكنة التي كان يرتادها الشاعر، فهو الغائب الحاضر طوال مدة الشريط، وبالنسبة لأغنية فيروز سوف تتكفل بالموسيقى التصويرية خلال تجوال الكاميرا، بالإضافة إلى بعدها الفلسفي الذي يختزل رؤية الماغوط نفسه في تسجيل بلاغة الحياة اليومية وليس إيقاعها الصارم، فقد كان البحتري على أية حال «ينحت في حجر»، أما صاحب «سأخون وطني» فإنه يقف على الضفة الأخرى، متسكعًا في أرصفة المدن، أعزل إلا من قصائده الجارحة والمدهشة.

غرفة بملايين الجدران
«صويلح» يتابع: البوصلة الثانية للشريط جاءت فجأة من عنوان ديوانه الثاني «غرفة بملايين الجدران»، ومسرحيته «العصفور الأحدب»، فهو خلال مطاردته من «المكتب الثاني» في أواخر الخمسينيات، كان يلتجئ في غرفة ضيقة، في أحد أحياء دمشق، وكان عليه أن يحني رأسه كي لا يصدم بسقف الغرفة، وهنا يمكنني أن أتكئ على ما كتبته رفيقة دربه سنية صالح في تقديمها لأعماله الشعرية الكاملة، فهي تصف الغرفة بقولها «غرفة صغيرة ذات سقف واطئ، حشرت حشرًا في خاصرة أحد المباني، بحيث كان على من يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن. سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم». في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهر عدة. 

باب توما
أخيرًا وجدنا غرفة بالمواصفات ذاتها في إحدى حارات «باب توما»، وكان المشهد المقترح أن توجه عدسة الكاميرا إلى الرصيف لالتقاط صور أحذية وأقدام متلاطمة، انطلاقًا من جملة شعرية لـ«الماغوط» يقول فيها «لا شيء يربطني بهذه الأرض سوى الحذاء»، إلى أن تصل عدسة الكاميرا إلى الغرفة، ثم تتحول إلى المقاهي التي كان يرتادها الشاعر، وخصوصًا مقهى «أبو شفيق» ومقهى «الشام». 

الفرح ليس مهنتي
ويكمل صويلح: كان صاحب «الفرح ليس مهنتي» قبل أن يستقر في سنواته الأخيرة في مقهى «الشام»، كان يرتاد مقهى «أبوشفيق» في الربوة على كتف نهر بردي، حيث كان يذهب مشيًا على القدمين ليقطع مسافة خمسة كيلو مترات يوميًا، ذهابًا وإيابًا، وحين قررت إدارة المقهى إغلاق المكان، بعد جفاف بردي، ظل الماغوط يتردد إليه، إذ كان يفتح خصيصًا من أجله، بعد أن تبرع نادل قديم في الحضور يوميًا لخدمة الشاعر، ولكن جفاف النهر وموت النادل، أصاب محمد الماغوط بصدمة حقيقة، فهو لطالما كتب معظم أعماله على طاولة في ركن من هذا المقهى العريق. 

ورثة مقهى أبو شفيق
ويوضح أنه بعد محاولات عدة، أقنعنت «ورشة الفيلم»، ورثة المقهى بافتتاحه مجددًا من أجل تصوير مشهد في المقهى، وكانت فكرة المشهد تتعلق بتصوير طاولة الشاعر وكرسيه وهما فارغان، فيما تملأ الكادر صورة بردي الموحل ومقطع من قصيدة للشاعر عن النهر بعنوان «أمير من المطر وحاشية من الغبار»، يقول فيها «لقد وهبه الله كل ما يحلم به نهر صغير من الطبقة المتوسط، الوحل والبعوض والربيع، ولكنه أتى على كل شيء في حقبة واحدة، أروع مطر في التاريخ/ أجمل سحب الشرق العالية/ بددها على الغرغرة وغسيل الموتى».

السيناريو المقترح
ويكشف «صويلح» أن السيناريو يقترح أيضًا زيارة مصورة صحفية لمنزل الشاعر لتعزيز مجموعتها الفوتوغرافية بصور خاصة للشاعر، ومقتنياته، بقصد تأسيس موقع على شبكة الإنترنت، يشتمل على آثار الشاعر وقصائده وصور تؤرخ مسيرته الطويلة.

أما اللقطة الشخصية للشاعر فسوف تكون في الصالون حيث يجلس على أريكته الزرقاء، وأمامه طاولته التي تشبه سفينة نوح: أدوية، سجائر، كحول، مبيدات حشرية، أقلام، دفاتر، ولاعات، كتب، وإلى يمينه جهاز الهاتف، وآلة تسجيل، يستمع إليها ليل نهار، وهي تبث موسيقى وأغاني يحبها، تمتد من باخ وموزارت إلى فهد بلان، وعتابا ريفية على الربابة، وفيروز، فيما تتجول الكاميرا في الجدار المقابل لالتقاط رسوم ولوحات لفاتح المدرس ونذير نبعة وسلبية إبراهيم، وفي ركن آخر من المكتبة، تطل بحياء صورة لرفيقة دربه الراحلة سنية صالح. 

مقهى الشام
ويختتم حديثه بقوله: أما «فينال» الشريط فينتهي بلقطة في مقهى «الشام»، أخر مقهى كان يتردد إليه الشاعر قبل عزلته الاضطرارية، إذ تقترب الكاميرا من طاولته الأثيرة، لتلتقط صورة لقبعته وعكازه، ثم تنسحب خارج المكان، وتختلط شيئا فشيئا بحشود البشر فوق الأرصفة، على خلفية صوته بقصيدة مسلجة:

«تشبث بموتك أيها المغفل
دافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب
فما الذي تريد أن تراه؟ 
كُتبك تباع على الأرصة
وعكازك أصبح بيد الوطن
أيها التعس في حياته وفي موته
قبرك البطيء كالسلحفاة 
لن يبلغ الجنة أبدًا 
الجنة للعدائين وراكبي الدراجات».

الجريدة الرسمية