الأحد 24 يناير 2021...11 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

إحسان عبد القدوس: رحلت أمي وتركت صوتها معي

ثقافة وفنون
إحسان عبد القدوس

ثناء الكراس


في مجلة "روز اليوسف" أبريل عام 1958 كتب الأديب إحسان عبد القدوس مقالا عن دور أمه السيدة روز اليوسف (رحلت في مثل هذا اليوم 10 أبريل 1958 ) في حياته قال فيه:اضافة اعلان


إن والدتى السيدة فاطمة اليوسف لم تحدثنا عن المشكلة الكبرى التي استطاعت وحدها أن تحلها، والتي لايزال المجتمع المصرى كله حائرا أمامها، كيف استطاعت أن تجمع بين جهادها الشاق المضنى الذي بدأته، وهى في الخامسة من عمرها وبين واجبها كزوجة وأم.

لا أدرى كيف استطاعت أن تحملنى تسعة أشهر، وهى واقفة على خشبة المسرح تعتصر الفن من دمها وأعصابها، لتكون أعظم ممثلة في الشرق.

ولا أدرى كيف استطاعت أن تنشئنى هذه النشأة، وأن تغرس في هذه المبادئ وهذا العناد، وأن تقودنى كطفل وكشاب في مدارج النجاح.

هي التي دخلت ميدان الصحافة وفى يدها خمسة جنيهات، وأنشأت مجلة تحمل اسما اشتهرت به على المسرح، اسما يضم تحته كل الكتاب، وأنضج الآراء، وهى لا تحمل شهادة مدرسية ولا مؤهلا علميا، هي التي أرشدت أقلامهم وانتقتهم لتضعهم على طريق المجد الصحفى والأدبى.

رحلت أمى وسلمونى حزمة من المفاتيح والرؤوس منكسة، وفى عيوننا بصمات الدموع، ضممت المفاتيح بين أصابعى في حنان.. كأنى أضم يد أمى وقربتها من فمى وقبلتها، وشممت فيها رائحة عطرها..العطر الهادئ البسيط، وكانت مفاتيح مكتب أمى.

فتحت درج المكتب الذي كنت أحترمه، ولا اقترب منه في حياتها، وتعودت أن أنظر إليه من بعيد كأنى أنظر إليها وهى نائمة.

ابتسمت وجرت ابتسامتى دموعا.. إنه درج أمومتها.. صورة لأختى آمال، وصورة لنا نحن الثلاثة أنا وهى وأختى، وصورة لأحفادها، وخصلة من شعرى عندما قصته لى أول مرة وأنا طفل وعلبة بودرة قديمة، ومجموعة خطابات كتبتها لها وأنا صغير عندما كانت في أوروبا عام 1927 وخطابات أرسلتها لها وأنا في الخارج، ومفكرة صغيرة.

ترى ماذا تكتب، قلبت الصفحات والدموع تغمرها، وقلبى يدق بشدة إنها لم تكتب سوى خواطر سريعة كلها عنى وحدى إلى أنا..إنها تقول لى:

لاتفكر في الفشل..إن الذي يفكر في الفشل لا يعمل أبدا.

إن شبابك في قلبك وفى إرادتك..لا في عمرك.

الضحك في الملمات يذيب النفس..دع الملمات تمر دون أن تذيب نفسك

ابنى يردد دائما إنى أقسو عليه..هل إذا دفعته إلى الإمام يعتبر دفعتى قسوة منى.. إنى أريد أن أراه أحسن واحد في الدنيا..فهل هذه أنانية منى، وهل يمكن  أن تكون أمي قاسية أو أنانية، تمنيت لو كان لى أم أعرفها وأعيش معها في حنانها وقسوتها.

عندما كان ابنى صغيرا كنت شجاعة صبورة، ولما كبر ابنى شعرت بالضعف والتخاذل..إن خوفى عليه يضعفنى.

إنى ألاحظ أن ابنى يعترض على كثير من آرائى، ثم لا يلبث أن يقتنع بها بعد وقت قصير، أنا لايقلقنى اعتراضه..ولكن يقلقنى أن يرجع عن معارضته، إنه في حاجة إلى أن يصبر قليلا قبل أن يعترض.

أعلم أن أشر أنواع اللصوص هم الذين يتقاضون أجرا ولا يعملون.

احرص على صحتك أولا وقبل كل شيء، إنك لا تساوى شيئا بلا صحتك.

إنى دائما أثور على الظلم والكذب والنفاق، وثورتى تقسو عليّ، تجعلنى أشعر بالضيق، يبدو أن لا أمل لى في راحة، فلا ثورتى ستكف عنى ولا الظلم والكذب والنفاق سينتهى.

خواطر بسيطة في بساطتها النظرة الثاقبة والنصيحة الغالية قلب أم وعقل أستاذة، وأشعر وأنى أقرأها كأنى أسمع صوتها الرقيق العذب..لقد تركت أمى لى صوتها، معى دائما.