الإثنين 18 يناير 2021...5 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

معركة سياسية تونسية على أراضٍ ألمانية.. «مقعد الفرجاني» في البرلمان حلبة منافسة بين نجل السبسي وطبيب.. «نداء تونس» يحذر من توريث الحكم.. وسيناريوهات قاتمة تنتظر البلاد

بدون تبويب

DEUTSCHE WELLE


يبدو أن انتخاب مقعد نيابي شاغر في البرلمان التونسي بدائرة ألمانيا، قد تحول إلى معركة سياسية تونسية على أراضٍ ألمانية، الناخبون فيها أشبه ما يكونوا بالمتفرجين على مبارزة يشارك فيها مرشحون "وافدون" في مواجهة مرشح "شبح".

مقعد الفرجاني
تشهد ألمانيا في منتصف ديسمبر المقبل انتخابات جزئية لسد شغور في مقعد نائب مجلس نواب الشعب التونسي، حاتم الفرجاني الذي عُيِّن في سبتمبر الماضي ككاتب دولة مكلف بالديبلوماسية الاقتصادية، وذلك في أحدث تعديل جرى على حكومة يوسف الشاهد.

الانتخابات في هذه الدائرة ورغم أنها تأتي لسد شغور لا تتجاوز مدته العامين المتبقيين من ولاية البرلمان التونسي الحالي، إلا أنها تحولت إلى حلبة لتنافس غير مسبوق تُسلط عليه الأضواء في تونس وخارجها، وتثير فضول المتتبعين في ألمانيا وأحيانا حيرتهم، لفهم أسباب وخلفيات استقطاب دائرة ألمانيا لكل هذه الأضواء.

القصة بدأت بتسريبات
القصة بدأت منذ بضعة أشهر عندما تسربت معلومات وتصريحات مسئولين في حزب نداء تونس الذي يقود الائتلاف الحكومي، تفيد بأنه يعتزم ترشيح أمينه العام حافظ نجل الرئيس الباجي قايد السبسي للدائرة الانتخابية التي تعد واحدة من ستة دوائر مخصصة للتونسيين بالخارج من أصل 217 مقعدا في مجلس نواب الشعب.

ومع ظهور هذه التسريبات تناسلت القصص في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام تونسية، ترسم سيناريوهات قاتمة لمستقبل المؤسسات المنتخبة ديمقراطيا لأول مرة في تونس بعد ثورتها.

سر الترشح
إذ ذهبت بعض السيناريوهات لقراءة أسباب "الترشيح المفترض" بأنه يتجاوز مجرد وصول حافظ قايد السبسي إلى قبة البرلمان، بل يتعداه لمرحلة لاحقة يتولى فيها رئاسة البرلمان خلفا لرئيسه الحالي المتقدم في السن (83 عاما)، تمهيدا لفرضية خلافة والده الرئيس الحالي الطاعن في السن (91 عاما).

توريث الحكم
تداولُ هذا السيناريو إعلاميا على الأقل، كان كافيا لتفجير الجدل في البلاد حول مستقبل الديمقراطية الناشئة والمخاوف من عودة كابوس "توريث الحكم" الذي ظن التونسيون أن ثورتهم قد أقبرته إلى الأبد، حيث ظهرت ردود فعل قوية في أوساط الطبقة السياسية بتونس وخارجها، وامتدت تفاعلاتها إلى ألمانيا في شكل حملات إعلامية وسياسية ضد "توريث" الحكم في البلاد، وانبرى عدد كبير من السياسيين والنشطاء لتقديم أنفسهم كمرشحين لمبارزة "المرشح المفترض".

مرشح نداء تونس
بعد أسابيع من الأخذ والرد، خرج حزب نداء تونس ذو التوجهات العلمانية، عن صمته معلنا أن مرشحه هو طبيب يعيش في ألمانيا منذ عقود، وأنه يحظى أيضا بدعم شريكه في الحكم حزب النهضة.

وكان إعلان الحزب الإسلامي مبكرا عن امتناعه عن تقديم مرشح قد أجّج التكهنات بأن "صفقة" ما تُطبخ في كواليس اتخاذ القرار السياسي في تونس، ويُرمز إليها في القاموس الإعلامي التونسي أحيانا، اختزالا بـ"قرطاج" (قصر الرئاسة) و"مونبليزير" (مقر حزب النهضة)، وأحيانا أخرى بـ"توافق الشيخين" أي الرئيس السبسي ورئيس حزب النهضة الشيخ راشد الغنوشي.

المرشح المفترض
ورغم عدم ترشيح نجل الرئيس السبسي لدائرة ألمانيا، إلا أن الجدل لم يتوقف ولا يزال محتدما، بيد أنه بات يأخذ طابعا وسياقات أخرى، فالذين تسابقوا على مبارزة "المرشح المفترض" لم يسحبوا ترشيحاتهم بعد عدم ترشيحه من قبل حزبه، والناخبون التونسيون في ألمانيا لا يزالون يحاولون فهم ما يجري بشأن دائرتهم.

27 مرشحًا
وقد تقدم فيها 27 مرشحا ضمنهم 15 بصفة مستقلين و11 باسم أحزاب ومرشح واحد عن ائتلاف حزبي، وضمنهم فقط أربع مرشحات نساء، وضمن المرشحين غير مقيمين بألمانيا بل يقيمون في تونس أو فرنسا، جاءت بهم أيضا رياح الرفض لترشيح ابن السبسي، وضمنهم مدونون ونشطاء معروفون بتوجهاتهم الإسلامية أو الليبرالية أو اليسارية.

الوافدون
ومقابل المرشحين "الوافدين" من خارج ألمانيا، أظهرت الأجواء التي تسبق انتخاب المقعد الشاغر، ديناميكية ملحوظة في أوساط المجتمع المدني المحلي بألمانيا وظهور مرشحين محليين يقدمون أنفسهم باستقلالية عن الأحزاب التقليدية، كـ"مؤهلين أكثر من غيرهم" للإلمام بمشكلات المهاجرين التونسيين بألمانيا.

وينحى مرشحون باللائمة على الحزبين الحاكمين (نداء تونس والنهضة) بأنهما "خانا ثقة الناخبين" عندما سمحا لنائبيهما الذين تداولا على دائرة ألمانيا بـ"التفريط" في قضايا ناخبيهم والتفرغ لمناصب سياسية أو رسمية في تونس.

إلا أن حملة الانتخابات التي يبدو أنها انطلقت عمليا قبل موعدها الرسمي (23 نوفمبر، تأخذ في حالات كثيرة، سياقات تتجاوز الإطار المحلي لانتخاب نائب عن دائرة تشمل مهاجرين تونسيين لهم مشاغلهم وانتظارتهم، ولا حتى قضايا مرتبطة بألمانيا البلد الذي تواجه فيه صورة تونس تداعيات سلبية بسبب الإرهاب والهجرة غير الشرعية. اذ تغصّ مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام المُعَوْلم يوميا بالفيديوهات والمنشورات والرسائل الموجهة للناخبين التونسيين بألمانيا.

وهي تبدو أشبه بمعركة سياسية تونسية داخلية على أراضٍ ألمانية، تهيمن فيها سجالات سياسية أو حزبية مألوفة يوميا في القنوات التليفزيونية التونسية. وهي لا تخلو من ملاسنات ومشادات شخصية.

هجرة "جماعية" إلى ألمانيا
تدور هذه المعركة "الانتخابية" الحامية في دائرة يبلغ عدد المسجلين بها 27 ألف ناخب لم يشارك منهم في الانتخابات السابقة (2014) سوى 40 في المائة، وما يثير تساؤلات المراقبين هو حجم تسليط الأضواء عليها بينما تشهد الحالة السياسية داخل تونس انسدادا في عدد من المجالات الحيوية في الحياة السياسية والاقتصادية، ولا تبدي الطبقة السياسية كفاءة في معالجة ملفاتها الساخنة والمصيرية بالنسبة لمستقبل الشباب التونسي وديمقراطيته الناشئة.

المؤسسات الديمقراطية
فعلى مستوى بناء المؤسسات الديمقراطية الناشئة، تم تأجيل الانتخابات البلدية والمحلية لمرات متكررة منذ قيام الثورة سنة 2011، وأخفق مجلس نواب الشعب للمرة الرابعة في انتخاب رئيس جديد للهيئة المستقلة للإشراف على الانتخابات، وتجديد ثلث أعضائها، بسبب تصدعات داخل الائتلاف الحاكم وتجاذبات حزبية متعددة الجبهات، ويحذر مراقبون من أن استمرار الفشل في هذين الملفين سيهدد مصداقية الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

صعوبات الإصلاح
وعلى مستوى إدارة الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ورغم تحقيقها بعض المنجزات إلا أن حكومة يوسف الشاهد تواجه صعوبات هيكلية في تنفيذ برامج الإصلاحات من أجل توفير فرص العمل للشباب ومكافحة الفساد والإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية ومآسيها، بالإضافة إلى صعوبات تواجه الحكومة في الاستجابة لضغوط المقرضين الدوليين بخفض الإنفاق وخفض كتلة الأجور التي يقول صندوق النقد الدولي إنها في هذا البلد الصغير تعد من بين أعلى المعدلات في العالم.

تجاذبات سياسية
وفي غضون ذلك، تبدو حكومة الشاهد تحت وطأة تجاذبات سياسية وحزبية وضغوط جماعات لوبي، تجعل إدارتها للتوافق الوطني حول الإصلاحات في مهب الرياح، وغالبا ما تؤول السجالات حول ملفات الإصلاح إلى نقاش حول مصير الحكومة نفسها، التي تبدو في كثير من الحالات بين مطرقة الاتحاد العام التونسي للشغل المركزية النقابية العتيدة واتحاد أرباب العمل (اتحاد الصناعة والتجارة) ذو النفوذ الواسع في قطاع المال والأعمال. والمنظمتان النافذتان حصلتا ضمن رباعي غير حكومي تونسي على جائزة نوبل للسلام سنة 2015 لدوره في نجاج التوافق الديمقراطي في تونس.

الهجرة غير الشرعية
وفي مواجهة اتساع دائرة الإحباط لدى الشباب، تزداد موجات الهجرة غير الشرعية تفاقما، كما يؤكد ذلك تقرير للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية)، وتعيش تونس في الآونة الأخيرة على وقع تجدد مآسي وفاة عشرات الشبان غرقا في مياه البحر الأبيض المتوسط، كما تفيد أحدث إحصاءات أدلى بها المتحدث باسم الحرس الوطني التونسي، أنه تم إيقاف 2710 أشخاص بسبب محاولات للهجرة السرية (غير الشرعية) عبر البحر خلال الأشهر العشر الأولى من هذا العام.

وكما تشكل أوروبا وألمانيا بشكل خاص مقصدا وحلما لأعداد كبيرة من الشبان التونسيين بحثا عن خلاص من أوضاعهم وانسداد الآفاق أمامهم في بلد يشكل الشباب فيه 70 في المائة ويحكمه شيوخ، تبدو المرافقة أن الطبقة السياسية أيضا باتت تفضل ترحيل مشاكلها إلى دائرة ألمانيا، بل إن بعضهم حط رحاله منذ أسابيع على الأراضي الألمانية كمرشح "وافد" من تونس أو من فرنسا في ظل قانون انتخابي لا يضع شروطا صارمة في الترشح إذ يمكن لمقيم ليس فقط في تونس بل حتى في أستراليا أو كندا أن يترشح في دائرة ألمانيا. ويذهب بعض الساسة التونسيين للقول بأن انتخاب المقعد النيابي الشاغر في ألمانيا هو بمثابة معركة سياسية رمزية أو "مختبر انتخابي" لمستقبل تونس!

هذا المحتوى من موقع دوتش فيل اضغط هنا لعرض الموضوع بالكاملاضافة اعلان