Advertisements
Advertisements
الأربعاء 19 مايو 2021...7 شوال 1442 الجريدة الورقية
Advertisements
Advertisements

حيثيات الإدارية لرئاسة الجمهورية ببطلان تعيينات النيابة الإدارية..المشرع الدستورى كفل تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.. خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة القانون حكما لازما لكل نظام ديمقراطي سليم

بدون تبويب
صورة أرشيفية

عبده الجهيني



حصلت "فيتو" على الحيثيات الكاملة لحكم المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية، برئاسة المستشار عادل لحظى ببطلان التعينات بالنيابة الإدارية في الدعوى المقامة مـن عاطف فاروق على " بصفته وليًا طبيعيًا" على ابنته القاصر ياسمين عاطف فاروق، وجاء في حيثيات الحكم:


أن المشرع الدستورى؛ كفل تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز، وجعل العمل ؛ حقُ، وواجبُ، وشرفُ تكفله الدولة، وشغل الوظائف العامة قائمِ ؛ على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، ولا تمييز بين المواطنين بسبب ؛ الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الانتماء السياسي أو الجغرافى، أو لأى سبب آخر، وصدر قانون الخدمة المدنية رقم 18 لسنة 2015 ؛أخذًا بذات النهج الدستورى، في تولى الوظائف العامة ؛ على أساس الكفاءة والجدارة، دون محاباة أو وساطة من خلال إعلان مركزى على موقع بوابة الحكومة المصرية يتضمن البيانات المتعلقة بالوظيفة وشروط شغلها على نحو يكفل تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين،بأن يكون المتقدم ؛ " متمتعا بالجنسية المصرية أو جنسية إحدى الدول العربية التي تعامل المصريين بالمثل في تولى الوظائف المدنية، أن يكون محمود السيرة، حسن السمعة، ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة جناية أو بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة مالم يكن قد رد إليه اعتباره، ألا يكون قد سبق فصله من الخدمة بحكم أو قرار تأديبى نهائى، أن تثبت لياقته الصحية لشغل الوظيفة بشهادة تصدر من المجلس الطبى المختص، أن يكون مستوفيا لاشتراطات شغل الوظيفة، أن يجتاز الامتحان المقرر لشغل الوظيفة، ألا يقل سنه عن ثمانية عشر عاما ميلاديا، ويكون أسلوب المفاضلة بين المتقدمين المستوفين الشروط التي نص عليها القانون ؛ عن طريق امتحان ينفذه الجهاز من خلال لجنة للاختيار، ويشرف عليه الوزير المختص " وزير الخدمة المدنية " ويكون التعيين بحسب الأسبقية الواردة في الترتيب النهائى لنتيجة الامتحان، وعند التساوى يقدم الأعلى في مرتبة الحصول على المؤهل المطلوب لشغل الوظيفة، فالدرجة الأعلى في ذات المرتبة، فالأعلى مؤهلا، فالأقدم في التخرج، فالأكبر سنا.

وأضافت الحيثيات، إن الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع قد استظهرت ؛أن المساواة التي يوجبها إعمال مبدأ تكافؤ الفرص تتحقق بتوافر شرطى العموم والتجريد في كافة القواعد التنظيمية التي تضعها جهة الإدارة التي تملك بمقتضى سلطتها التقديرية وفقًا لمقتضيات الصالح العام وإعمالًا للقانون وضع شروط عامة مجردة تحدد بها المراكز القانونية التي يتساوى بها الأفراد أمام القانون، بحيث إذا توافرت هذه الشروط في طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية، وإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط في البعض دون البعض الآخر انتفى مناط التسوية بينهم وكان لمن توافرت فيهم هذه الشروط دون سواهم أن يتمسكوا بها، باعتبار أن المشرع هنا إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط.

وأضافت الجمعية العمومية أن تكون هذه الشروط من جنس الشروط التي أجملها القانون وفصلتها اللائحة التنفيذية، وأن تكون متصفة بالعمومية والتجريد لا أن تكون شروطًا منطوية على تمييز منهى عنه أو إخلال بالمساواة أو بتكافؤ الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين جميعًا عند شغل الوظائف العامة ولا مراء في أن ما اشترطته الجهة الإدارية في الإعلان الصادر عنها من كون جميع المتقدمين من خريجى كليات الوجه البحرى والقاهرة دون غيرهم من خريجى الكليات الأخرى قد انطوى على إخلال بالمساواة وبالفرص المتكافئة للمواطنين جميعًا طالما قد اتحدت مراكزهم القانونية كما أن ما تطلبته الجهة الإدارية من أن يكون جميع المتقدمين من المقيمين بمحافظة دمياط، هو أمر ينطوى على تمييز غير مبرر طالما قد استوفى المتقدم الشروط الواردة في الإعلان وهو الأمر الذي يعيب الإعلان من حيث المبدأ بعيب عدم المشروعية الجسيم بما يغنى عن الخوض في إبداء الرأى فيما طلبته الجهة الإدارية من مدى استيفاء المتقدمين لشرط الإقامة بمدينة دمياط من عدمه، يُراجع في هذا المعنى فتوى الجمعية العمومية رقم 660 بتاريخ 13 / 7 / 2002 ملف رقم 86 / 6 / 599 }.

وترتيبًا على ما تقدم وهدّيًا به وإذ أعلنت هيئة النيابة الإداريةبتاريخ 26/12/2015 عن حاجتها لشغل بعض الوظائف عن طريق التعيين للعمل بمحافظات الجمهورية المختلفة طبقًا لاحتياجات العمل الفعلية، وتضمن هذا الإعلان شغل عدة وظائف أولًا ـ مهندس ثالث ؛ من الحاصلين على بكالوريوس هندسة ؛ للعمل في محافظتى القاهرة والجيزة والمقيمين بها وقت الإعلان،ثانيًا ـ باحث تمويل ومحاسبة ؛من الحاصلين على بكالوريوس تجارة ؛ للعمل في محافظتى القاهرة والجيزة والمقيمين بها وقت الإعلان، ثالثاـ باحث ثالث تنمية إدارية ؛ من خريجى كليات الحقوق والشريعة والقانون والخدمة الاجتماعية والزراعة والالسن والاداب قسم اجتماع والحاسب الآلى ؛ للعمل في محافظتى القاهرة والجيزة والمقيمين بها وقت الإعلان، رابعًا ؛ باحث ثالث تنمية إدارية من خريجى كليات الحقوق والشريعة والقانون والحاسب الآلى للعمل بمحافظات الإسكندرية والغربية وأسيوط، خامسًا؛ فنى رابع، من الحاصلين على دبلوم المدارس الثانوية نظام الثلاث سنوات للعمل بمحافظتى القاهرة والجيزة والمقيمين بها وقت الإعلان، سادسًا ؛ كاتب رابع للعمل بمحافظات الجمهورية المختلفة وفقًا للجدول المبين بالإعلان من المقيمين بها وقت صدور الإعلان، سابعًا ؛ كاتب رابع أعمال سكرتارية للعمل بالقاهرة والجيزة وشبرا الخيمة من المقيمين بها وقت صدور الإعلان، ثامنًا ؛ حرفي مساعد للعمل بمحافظتى القاهرة والجيزة ومن المقيمين بهما وقت صدور الإعلان، تاسعًا ؛ خدمات معاونة " عمال " للعمل بمحافظات الجمهورية المختلفة وفقًا للجدول المبين بالإعلان.

وورد في شروط التقديم، يقتصر التقديم على الوظائف المعلن عنها بالمحافظات وفقًا لعنوان المتقدم ببطاقة الرقم القومى وقت صدور الإعلان عن المسابقة ولايعتد بأى تغيير في العنوان بعد ذلك، وألا يتجاوز سن المتقدم للوظائف المعلن عنها بالبنود أولًا وثانيًا وثالثًا ورابعًا (33 ) عامًا، والوظائف المعلن بالبنود خامسًا وسادسًا وسابعًا وتاسعًا (28) عامًا، وبالنسبة للوظائف المعلن عنها بالبند ثامنًا (35) عامًا وقت صدور الإعلان.

لما كان ذلك ؛ وإذ أورد المدعى بعريضة دعواه أن إبنته قد تقدمت لشغل وظيفة كاتب رابع أعمال سكرتارية عامة وقيد طلبها بالملف رقم 183790، بيد أن الجهة الإدارية المدعى عليها جحدت قوله،ولم يستطع المدعى أن يُقيم الدليل على خلاف ما ذكرته الجهة الإدارية، لئن كان ذلك ؛وإذ كان المدعى يرنو من دعواه الماثلة إلى إلغاء القرار المطعون علية رقم 125لسنة 2016 الصادرمن رئيس هيئة النيابة الإدارية بتاريخ 7/4/2016بناءً على الإعلان رقم (1) لسنة 2015 ؛ فيما تضمنه من تخطى ابنته/ ياسمين فاروق عاطف على ؛ في التعيين بوظيفة كاتب رابع أعمال سكرتارية عامة،وإذ قضت المحكمة الإدارية العليا بأن ؛الرقابة على القرارات الإدارية هي رقابة مشروعية تسلطها على القرارات المطعون فيها لتزنها بميزان القانون والشرعية والمصلحة العامة، فتلغيها وتوقف تنفيذها لو تبين صدورها مخالفة لأحكام القانون بصفة عامة أو انحرافها عن الغاية التي حددها الدستوروالقانون لسلامة تصرفات الإدارة وهى تحقيق الصــــالح العام إلى اســـتهداف غير ذلك من الأغراض غير المشـــروعة" يُراجع في هذا المعنى الطعن رقم 3219 لسنة 48 ق.ع - دائرة توحيد المبادئ – جلسة 9/6/2007 ) وأخذًا بذلك ؛ وإذ صدر القرارالطعين بناءً على الإعلان رقم (1) لسنة 2015 المذكور سلفًا، ومن ثم ؛ يستتبع ذلك بحكم اللزوم القانونى ؛ أن تبسط المحكمة رقابة المشروعية على ما صدر عن جهة الإدارة في هذا الشأن، إذ أن مراقبة مشروعية القرار لا تجد حدها عند ما قد يعتقده الخصوم مخالفًا للقانون ؛ إنما تبسط المحكمة سلطانها لمراقبته بصفة عامة لتزنه بميزان المشروعية صونا لها والمصلحة العامة، ولتستجلى بذلك مواطن مخالفة القانون والمشروعية التي دقت على من سواها وتتصدى لما شاب تصرف الجهة الإدارية من عوار وزلل، ترنو في ذلك إلى استهداف سلامة تصرفات جهة الإدارة لتردها إلى جادة الصواب إن هي حادت عنه،ولاسيما أن مبدأ الشرعية لم يعد يعنى مجرد احترام القواعد القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية بل أصبح يشمل أيضًا القواعد القانونية الصادرة عن السلطة التنفيذية سواء كان مصدرها لوائح عامة أو قرارات فردية، "يراجع حكمها في الطعن رقم 1261 لسنة 42 ق.ع - بجلسة 19/1/2002 "، لما كان ذلك ؛ وكان المشرع الدستورى قد استهل الباب الثانى من الدستور؛ بالنص على المقومات الأساسية التي يقوم عليها المجتمع المصرى ـ كأحد المجتمعات التي تنشد التقدم ـ وتناول الفصل الأول منه ؛ المقومات الاجتماعية، بالتزام الدولة ـ بمفهومها الشامل ـ ؛ بضمان تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، دون تمييز بينهم ونبذ جميع صور التمييز،وأورد المشرع الدستورى أمثلة على صوره الشائعة؛وهى التمييز على أساس الدين أو العقيدة، أو الجنس،أو الأصل، أوالعرق،أواللون، أواللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الإجتماعى، أو الانتماء السياسي أو الجغرافى ؛ وبالجملة فإن قوام التمييز الذي يُناقض مبدأ المساواة أمام القانون ؛ كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات التي كفلها الدستور أو القانون،وإذ صدر قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 18 لسنة2015 السارى أحكامه في الفترة من 12/3/2015 إلى 20/1/2016 وفقًا لقرار مجلس النواب رقم (1) لسنة 2016 ـ أي إبان صدور الإعلان المطعون عليه ـ بما يوجب على الجهة الإدارية المدعى عليها إصدار هذا الإعلان وفقًا لأحكامه إعمالًا لأثره المباشر ـ

وإذ جاء هذا القانون أخذًا بذات النهج الدستورى، إذ تضمنت المادة رقم (13) منه بأن " يكون التعيين بموجب قرار يصدر من رئيس الجمهورية أو من يفوضه،على أساس الكفاءة والجدارة، دون محاباة أو وساطة من خلال إعلان مركزى على موقع بوابة الحكومة المصرية متضمنا البيانات المتعلقة بالوظيفة وشروط شغلها على نحو يكفل تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين ثم جاءت المادة (15) من ذات القانون لتبين الشروط العامة فيمن يشغل إحدى الوظائف التي تسرى عليها أحكامه، إذ جاءت جميعها متسقة مع ما هو مقرر دستوريا ً،ثم بينت اللائحة التنفيذية في المادة (32) الشروط التي يجب أن تُراعى في الإعلان عن شغل الوظائف بأنه؛يجب أن يتضمن الإعلان كافة البيانات التي تضمن تكافو الفرص والمساواة بين المواطنين،وهو ما يضمن الحماية المتكافئة للحقوق جميعها،سواء في ذلك تلك التي قررها الدستور أو التي ضمنها المشرع، ومن ثم ؛ كان هذا المبدأ عاصمًا من القواعد التي تسنها الجهة الإدارية التي تُقيم بها تمييزًا غير مبرر تتنافر به المراكز القانونية التي تتماثل عناصرها،وإذ صدرعن هيئة النيابة الإدارية ؛ الإعلان المذكور سلفًا لشغل عدة وظائف شاغرة لديها،وإقتصر هذا الإعلان في التقديم على الوظائف المعلن عنها ؛ بالإقامة في محافظات محددة وفقًا لعنوان المتقدم ببطاقة الرقم القومى وقت صدور الإعلان عن المسابقة ولم يعتد بأى تغيير في العنوان بعد ذلك،وإذ قيدت الجهة الإدارية المدعى عليها بهذا الإعلان ؛ شغل وظيفة مهندس ثالث وباحث ثالث تمويل ومحاسبة وإحصاء، وباحث ثالث تنمية إدارية ـ في البند ثالثًا من الإعلان ـ،وفنى رابع،وحرفى مساعد ؛ بمن يُقيم وقت صدور الإعلان في محافظتى القاهرة والجيزة، وفى شغل وظيفة كاتب رابع أعمال سكرتارية عامة ؛ بمن يُقيم وقت صدور الإعلان في محافظتى القاهرة والجيزة وشبرا الخيمة،وشمل الإعلان أيضًا بالنسبة لشغل وظيفة كاتب رابع ووظيفة عمال خدمات معاونة باقى أنحاء الجمهورية عدا المقيمين بمحافظة الوادى الجديد،بل إن الجهة الإدارية لم تعتد ـ على أقل تقدير بتغيير محل الإقامة اللاحق على صدور الإعلان،وإذ يُعد ما صدر عن هيئة النيابة الإدارية بهذا المعنى؛ منطويًا على تفرقة تحكمية بين مواطني الدولة الراغبين في التقدم لشغل الوظائف المعلن عنها ؛ على أساس النطاق الجغرافى ـ محل الإقامة ـ إذ حجبت الجهة الإدارية بتصرفها هذا ؛ من لديه رغبة من جموع المواطنين ممن توافرت فيه الشروط الأخرى عن التقدم لشغل الوظائف المعلن عنها،في حين أن المشرع الدستورى حرص دومًا على تحقيق مبدأ المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص وعدم التمييز بين المواطنين إعمالًا للمبادئ التي رسخت في وجدانه وحرصت على ترديدها جميع الدساتير المتعاقبة فضلا عن استهلال نصوصها به؛لما لها من سمو ورفعة ترقى بها لأن تكون من دعائم قيام الأمم وبناء الحضارة وأن في تغييبها غيابا للدولة وتقويضا لأركانها وزعزعة لاستقرارها ونشرا لما قد يوغرالصدور بسبب التمييزأوالمعاملة التفضيلية المهدرة لضمانة جوهرية لتحقيق العدل والسلام الإجتماعى ؛إذ يضحى المجتمع بغيرها ؛ كأعجاز نخل منقعر ما من عمد يقيمه ولا كيان يرفعه، وهوما يقيد الجهة الإدارية وهو بصدد سن قواعد عامة ومجردة ؛إقتفاء أثرها وترسم خطاها انصياعا منها لأحكام الدستور والقانون ونزولا على مبادئهما وألا تحيد عن الأطر التي يُبينهما وأن تصدع لأحكامهما حتى لا تسقط تصرفاتها في حمأة عدم المشروعية، وهذا ما حرص عليه وشمله ؛ قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية المشار إليهما سلفًا، إذ أوجبا أن يتضمن الإعلان كافة البيانات التي تضمن تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين،بما يضمن الحماية المتكافئة للحقوق جميعها،وإذ صار هذا التمييز ؛حاجزًامانعًا لجموع المواطنين عن التزاحم على شغل الوظائف المعلن عنها،دونما سند من الدستور أو القانون،ولا ريب ؛أن الجهة الإدارية عندما اشترطت في هذا الإعلان إقامة المتقدمين لشغل الوظائف المعلن عنها في محافظات بذاتها ؛ قد فارقت بذلك قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية، لإخلالها بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة بين المواطنين، وانطوى تصرفها على أحد صور التمييز المنهى عنه دستوريًا، بنص آمر قطعى الدلالة والثبوت ؛بعدم التمييز بين المواطنين على أساس جغرافى،كأحد الحقوق والحريات والواجبات العامة التي تتبوأ أعلى مكانه وأرفع منزلة،بما يترتب على هذه المخالفة ؛ عدم مشروعية ما يصدر عن أي من السلطات العامة في هذا الشأن ـ وأيا كان وجه الرأى في الاعتبارات التي دعت الجهة الإدارية إلى تقرير ذلك ـ

فإن خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة القانون ؛قد بات أصلًا مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطى سليم، وتبعًا لذلك ؛ يكون لزامًا على كل سلطة عامة أيا كان شأنها وأيا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، النزول على قواعد الدستور والقانون ومبادئهما والتزام حدودهما،ومحارمهما،فإن هي خالفت ذلك أو تجاوزته ؛شِيب عملها بعيب عدم المشروعية،وإذ لم تعتد هيئة النيابة الإدارية في الإعلان الصادرعنها بتغيير محل إقامة المتقدمين إليها بعد صدورهذا الإعلان؛أي انها لم تجعل ـ على أقل تقديرـ لأحد مفر من شروط هذا الإعلان المجحفة بحق مواطنى الدولةفى التقديم لشغل الوظائف التي أعلنت عنها، بل إنها تمادت "تشهيا" في تمييزها بين المواطنين ـ على أساس جغرافى ـ ؛ حين اقتصرت في إعلانها ؛ بمن يتقدم لشغل وظيفة كاتب رابع أعمال سكرتارية عامة ؛ أن يكون من مُقيمى محافظتى القاهرة والجيزة ومنطقة شبرا الخيمة ؛ولم تتبع ذات النهج الذي أخذت به في إعلانها بالاقتصار على محافظات بذاتها فمن غير المتصور أو المفهوم ؛إدارج منطقة بذاتها للتقدم لشغل هذه الوظيفة، وهو ما يدعو لمساورة الشك للمحكمة،وأدنى القول فيه ؛ أن الجهة الإدارية قد وطأت به موطئ الشك والريبة منها،وكان أحرى بها أن تنأى بكيانها عنه، أما وأن إعلانهاهذا ؛قد ران عليه ما ران من التمييز بين المواطنين على أساس جغرافى، وحجبت به مواطنى الدولة عن التقدم لشغل الوظائف المعلن عنها،وهو ما يمثل ـ على نحو ما انتهينا إليه ـ انتهاكًا لحدود الدستوروالقانون وافتئات وفرية عليهما،وإخلالًا بأحكامهما وعزوفًا عن النزول على مبادئهما وسيرًا على غير هدّيهما،بما يوصمه بعيب عدم المشروعية الجسيم.

وإذ اشتمل "أيضًا" هذا الإعلان على؛اشتراط حد أقصى لسن المتقدم،إذ جعل شرط السن لمن يتقدم لشغل الوظائف المبينة بالبند الأول والثانى والثالث والرابع ألا يزيد عن (33) عامًا وقت صدور الإعلان،وحجبت بذلك المدعى عن التقدم لأى من الوظائف المبينه بالبندين الثالث والرابع، وأوردت أيضًا في البند الخامس والسادس والسابع والتاسع ؛ بألا يزيد سن المتقدم عن (28) عامًا،وفى البند الثامن ألا يزيد السن عن (35 ) سنة، وإذ نص قانون الخدمة المدنية على حد أدنى لمن يتولى الوظيفة العامة ؛ بألا يقل سن المتقدم عن (18) سنة، ولم يضع حدًا أقصى له،وأنه ولئن ساغ لجهة الإدارة أن تضع من الضوابط والشروط ما تراه مناسبًا لشغل الوظائف الخالية بها، بحسبانها القوامة على المرافق العامة، ومن بين هذه الضوابط الحد الأقصى لسن التعيين بهذه الوظائف، لئن ساغ ذلك لجهة الإدارة إلا أن مناط القبول بهذه الشروط ألا تخالف القانون والدستور وألا تجافي طبائع الأشياء ومنطقها،وألا تهدر أو تمس الأصول المقررة عدلًا من مساواة للمراكز القانونية والتمكين لتكافؤ الفرص بينها، وإلا استحالت عسفًا بالسلطة المخولة، وانحرافًا بالسلطة الموسدة لها في هذا الشأن. " يُراجع في هذا المعنى حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 20607 لسنة 59 ق.ع جلسة 22/2/2014" وفى ذات السياق ؛ فإن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد جرى على أنه " وحيث أن ما قد ينص عليه المشرع من حرمان الأشخاص الذين جاوزوا سنا حددها من الالتحاق ببعض الأعمال لا يستقيم على إطلاقه،.. فلا يكون شرط السن مقبولًا، إلا إذا كان مبررًا بطبيعة الأعمال التي يعهد إلى العامل بها، ونطاق واجباتها ومسئولياتها ليتحدد على ضوئها ما إذا كان هذا الشرط فاعلًا ومؤثرًا فيه أم منافيًا لها وغريبًا عنها ؛ بما مؤداه أن الأصل هو ألا يكون شرط السن معتبرًا، فإذا كان لازما لبعض الأعمال لزومًا حتميًا، وكان ذلك استثناء من هذا الأصل يتعين أن يفسر في أضيق الحدود وإلا صار حق العمل..... ركامًا، ولغدا شرط السن ذريعة لنقض الحق في العمل" يُراجع في هذا المعنى حكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 38 لسنة 17 قضائية دستورية – جلسة 18/5/1996" وأخذًا بذلك ؛ وإذ فرقت الجهة الإدارية في شرط السن بين الوظائف المعلن عنها، دونما أن يتضح للمحكمة ؛ أن تقديرها هذا ؛ سائغًا ومبررًا عدلًا ومنطقًا، لاسيما أنها اشترطت فيمن يتقدم لشغل وظيفة حرفى مساعد " سائق، نجار، سباك، كهربائى " ألا يتجاوز السن عند التقديم عن (35) سنة، في حين أنها اشترطت لمن يتقدم لشغل الوظائف الفنية والكتابية الوارده بالبند (خامسًا وسادسًا وسابعًا ) وشغل وظيفة معاون خدمات معاونه " عمال " الوارده بالبند تاسعًا،ألا يتجاوز السن عن (28) سنة، ثم عدّلت هذا الشرط ليكون السن (30)سنة،فإنه فضلًا عن تخبطها إزاء هذا البند،إذ يفترض في الجهة الإدارية حال الإعلان عن شغل الوظائف الشاغرة والممولة لديها تحديد الشروط المتطلبة في المتقدمين على وجة الدقه،وأنه ولئن كان يحمل هذا التعديل في ظاهره ميزة لجموع المواطنين ممن تخطوا سن (28) سنة ؛بفتح باب الأمل لزيادته إلى (30) سنة، بيد أن هذا التعديل يحمل بين أعطافة الشك والريبة، بشمول أشخاص بذاتهم ممن لم يتوافر فيهم شرط سن (28) سنة عند التقديم، وما كان لها ذلك ؛ حتى تنأى بكيانها عنه، كما أنه لايستقيم منطقًا،بل إنه يجافي طبائع الأشياء ؛ أن تشترط فيمن يقوم بأعمال مكتبية ألا يزيد سنه عن (30) سنة في حين أن من يقوم بأعمال حرفية وما يستبع ذلك من مشقة ألا يزيد سنة عن (35) سنة،وكان أولى بها؛أن تفسح الفرصة بزيادة سن من يقدم لشغل الوظائف التخصصية ـ التي تناسب مؤهل المدعى ـ وكذا المكتبية ؛ من باب أولى إلى هذا الحد،كما أنها فرقت بين من يقوم بعمل الخدمات المعاونة،وجعلت شرط السن بالنسبة لهم؛ألا يزيد عن (30) سنة،وكان أولى بها أن تساوى بينهم وبين من يقوم بعمل حرفى المحدد له سن (35) سنة ؛وذلك من باب أولى ؛ لإستواء المشقة في الغالب، لاسيما أن ممارسة الجهة الإدارية لسلطتها التقديرية في مجال التعيين لشغل الوظيفة العامة سيظل على وجه الدوام واجب يستهدف الصالح العام باختيار أكفأ العناصروأنسبهاـ دون ميل أوهوى ـ وهو أمرسيبقي محاطًا بإطار المشروعية التي تتحقق باستهداف المصلحة العامة دون سواها وذلك بالتمسك بضرورة توافر ضمانات شغل الوظيفة والقدرة على مباشرة مهامها،وإذ لجأت الجهة الإدارية إلى التفرقة بين المتقدمين وغيرهم ممن لم يتوافر فيهم شرط السن الذي أعلنت عنه،وجعلت منه شرطًا يُبتنى على أساسه منع التزاحم بين جموع المواطنين لشغل الوظيفة العامة ؛وتلاشى به ضمان تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وكان أولى بها أن تجعل من شرط الكفاءة والجدارة المنصوص عليهما قانونًا أساسًا تقيم به المفاضلة بين المتقدمين ؛ من خلال الاختبارات التي أعلنت عنها بإعتبارأن هذا الاختبار يتم في إطار مسابقة عامة تجريه الجهة الإدارية، وتتاح فيه الفرص المتكافئة لجميع المتقدمين إليه بما يجعل معيار المفاضلة بينهم عند الاختيارمرتبطًا بالتفوق والجدارة التي يمتاز بها بعضهم على بعض،وهى النتيجة الحتمية للتفاوت القائم بينهم في الملكات والقدرات الذاتية،وتبعًا لذلك تكون المفاضلة حينئذ حقيقية وجادة بين المتقدمين للتعرف على مدى تفاوتهم،وبذلك؛يكون لكل درجارت مما عملوا،وهوأمر تمليه قواعد المشروعية ـ إذا لم يقع الأمرعلى هذا الوجه فسد الاختيار وفسد القرار الذي أتخذ على أساسه ـ ومن ثم ما كان للجهة الإدارية وما ينبغى لها ؛ أن تجعل من شرط السن"دون مبرر له وفقًا لما إنتهينا "حدًا للمفاضلة بين جموع الموطنين،وإذ لم تراع الجهة الإدارية مبدأ المساواة بين الموطنين،وإذ غدا هذا الشرط مانعًا من تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين وحجب كثيرين عن التقدم لشغل الوظائف المعلن عنها،بما يمثل ذلك؛إخلالًا بالحقوق المتكافئة بين المتقدمين وغيرهم من المواطنين الذين حجبوا عن التقدم لشغل تلك الوظائف،وتجاوزت بذلك؛الجهة الإدارية حِمى الدستور والقانون عصفًا بحقوق المواطنين،على نحو يجعل إعلانها هذا؛ قد وقع في حمأة عدم المشروعية.

وأشارت المحكمة أنه ما تقدم وكان لا مُمَاحَكَةَ في أن الشارع لم يترك أمرًا ما شرعه ليذهب سدىً ولم يذر ما ينطق به من حق ليذهب هباءً بل أحاطه بسياج قوامه بسط المحكمة رقابتها وولايتها على مسلك الجهة الإدارية ؛ لتبيان مدى موافقته لأحكام القانون وانصياعه له،وإذ اشتمل إعلإن الجهة الإدارية المدعى عليها ـ على نحو ما انتهينا إليه ـ على عنصرين إنزلق به إلى عيب عدم المشروعية الجسيم، بما يفقده كيانه ويجرده من صفاته ويزيل عنه مقوماته كتصرف قانوني نابع من جهة الإدارة، وإنخلع عنه ما كان يتوجب عليه أن يلتحف به من عباءة القانون التي تبرئه من مواطن العوار والزلل - بعد أن وزنته المحكمة بميزان المشروعية مقسطة غير قاسطة ـ إعلاءً لكلمة القانون وقالة الحق، بعد أن أجرت ميزان المشروعية عليه وزنا يرتاح إليه ضميرها راحة من أدى الأمانة على وجهها لتبيان مروقه على مبادئ وأحكام الدستور والقانون؛إزالة لما ران عليه من عدم المشروعية واستجلاءً وصونا للحقوق وإعلاء لمبدأ المساواة بين جموع المواطنين،وردا للجهة الإدارية المدعى عليها إلى جادة الصواب إذا تفرقت بها السبل جانحة عن أحكام الدستور والقانون ونصوصه ومبادئه التي ارتضاها المجتمع له نبراسا وقبلة وإرساءً لقواعد العدالة ودعائم السلم الاجتماعى، لما كان ذلك ؛وإذ هوى هذا الإعلان إلى عيب عدم المشروعية الجسيم ـ على نحو ما انتهت إلية الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بفتواها السالف بيانها ـ مما يغدو بهذه المثابة ؛ منعدمًا، وإذ صدر القرار الطعين رقم 125 لسنة 2016 من رئيس هيئة النيابة الإدارية إستنادًا إلى هذا الإعلان،فمن ثم ؛ يضحى غير مبرءِ من هذا العيب ؛ إعمالًا للقاعدة الأصولية أن ما بنى على باطل فهو باطل، ويغدو تبعًا لذلك والعدم سواء، وزال عنه وصفه كتصرف قانونى قائم ومنتج لأثاره،، ومن ثم ؛ تقضى المحكمة بإلغائه إلغاءً مجردًا.

وأوضحت المحكمة أنه عن آثار الحكم بالإلغاء المجرد فقد ذهبت المحكمة الإدارية العليا إلى أنه " من شأن الحكم بالإلغاء المجرد زعزعة جميع المراكز القانونية غير السليمة التي ترتبت على صدور القرار الذي وقعت فيه المخالفة القانونية والمقضى بإلغائه مجردا "(يُراجع في هذا المعنى الطعن رقم 883 لسنة 35 ق جلسة 21/12/1991، والطعن رقم 2065 لسنة 44 ق.ع 5/6/2005 )، كما ذهبت الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة إلى أن " الحكم الصادر بالإلغاء المجرد يقتضى إلغاء جميع إجراءات المسابقة وسحب القرارات الصادرة بناء عليها وإعادة الإعلان عن الوظائف " ( فتوى رقم 311 - جلسة 5/5/2007 - ملف رقم 86/4/1593) وأخذًا بذات النهج ؛ فإن ما سبق ينتهى بالمحكمة إلى أنه قد بات متعينًا على الجهة الإدارية المدعى عليها، بعد القضاء بإلغاء القرار المطعون عليه إلغاء مجردًا إعادة الحال إلى ما كان عليه قبل صدوره، واستعادة جهة الإدارة سلطتها الكاملة في إصدار إعلان جديد عن شغل الوظائف الشاغرة والممولة لديها واستبعاد من تم تعيينه، مع مراعاة أوجه البطلان التي كشفت عنها المحكمة ؛وذلك بسحب هذا القرار فإن هي تقاعست عن إعمال ذلك، غدا الأمر حينئذ ؛ تغيبًا لدولة القانون.

وجدير بالذكر أنه يستفيد من هذا القضاء ذوي الشأن جميعًا ومن بينهم إبنة المدعي،وإن كان هذا الإلغاء المجرد لا يكسبها حقًا مباشرًا في التعيين إلا أنه يضعها في ذات المركز القانوني لمن أُلغي تعيينهم، فيكون لها ذات حقوقهم بما فيها الحق في التقدم لشغل الوظائف التي كانوا يشغلونها، كما أنه من الجدير بالذكر أيضًا أن ذلك الإلغاء المجرد لا ينفي قيام من أُلغي تعيينهم بأعباء الوظيفة واضطلاعهم بواجباتها خلال المدة من تاريخ صدور القرار المقضي بإلغائه حتى تاريخ صدور هذا الحكم واكتسابهم خلال هذه المدة الخبرة العملية التي قد ينعكس أثرها على الوظيفة في حالة وقوع الاختيارعليهم لشغلها من جديد،واستحقاقهم المبالغ التي كانت تصرف لهم خلال تلك المدة كأثر لتعيينهم بالقرار المقضي بإلغائه دون أن يكون لهذا الحكم ثمة أثر في استرداد هذه المبالغ منهم عملًا بالأصل بأن الأجر مقابل العمل.
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements