رئيس التحرير
عصام كامل

تونس تدخل دوامة اختيار «رئيس حكومة».. الأسماء كثيرة والمعايير «تعجيزية».. الخبرة والكفاءة تتعارض مع الخلفية السياسية.. التوانسة يطالبون برئيس من «دول الجوار».. والفيصل لأ

 الأمين العام لاتحاد
الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي حسين العباسي

قال الأمين العام لاتحاد الشغل التونسي حسين العباسي إن السبت المقبل سيتم إعلان اسم رئيس الحكومة المقبل، وذلك في إطار اتفاق خارطة الطريق ضمن الحوار الوطني، مشددا على أن الحكومة القادمة لن تكون لها عصا سحرية، وملاحظا أن هناك بعض المشاكل والقضايا التي يتوجب على الحكومة القادمة اتخاذ قرارات إزائها.

وأكد العباسي أن الحوار الوطني لن يُعوض المجلس الوطني التأسيسي ولن يحل محله.. مشيرا إلى أن الحوار الوطني سيدعم مشروعية المجلس الوطني التأسيسي بمشروعية توافقية.. كما نفى وجود أي ضغوطات أو تدخلات من الخارج في فعاليات وأشغال مؤتمر الحوار الوطني، وقال: "لا أحد يُملي علينا من الخارج ما نقوم به"، مضيفا أن التوافقات التي تم التوصل إليها هي تونسية تونسية، على حد تعبيره. 

وشدّد العباسي على عدم وجود أي ضغوطات أو تدخلات خارجية وأن الضغط الوحيد يتمثل في مصلحة البلاد ومصلحة الشعب، ولم يفت رئيس اتحاد الشغل أحد أهم الرباعي الراعي للحوار، الفرصة دون أن يذكر أن الاتحاد "المنقذ من الضلال".

وأشار إلى أن الاتحاد العام التونسي للشغل كان الطرف الذي أسهم في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف المتصارعة واتهامه بالانحياز غير مقبول وغير مبرر.. مضيفا: "بعض الأطراف التي اتهمتنا بالانحياز بدأت تقتنع بأننا نحاول خدمة المصلحة الوطنية وليست لنا أطماع سياسية".

وكان السفير الأمريكي بتونس، "جاكوب والس" التقى الاثنين كل من زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي ورئيس نداء تونس الباجي قائد السبسي، كل على حدة، ولم تتسرب أي معلومة بخصوص موضوع اللقاءين، فيما تعتقد مصادر حسنة الاطلاع أن يكون السفير الأمريكي أبلغ الرجلين الأبرزين في الساحة السياسية المحلية، حرص البيت الأبيض على التعجيل بالتوافق بشأن تركيبة الحكومة الجديدة وبالتالي إنهاء الأزمة المستفحلة في تونس ضمانا لنجاح مسارها الديمقراطي وتعزيزا لاقتصادها المتعطل. 

يأتي هذا التصريح الرسمي للعباسي ليرفع اللبس الذي شاب عمليات ترشيح أسماء كفيلة بتقلد منصب رئاسة الحكومة دون أن يضع حدا لمسلسل جديد يعيش التونسيون على وقعه هذه الأيام ويتمثل في اختيار اسم المترشح الذي سيخلف على العريض على رأس الحكومة الجديدة التي تريدها المعارضة ورباعي الحوار حكومة كفاءات مستقلة تقود إلى الانتخابات.

فلم تعرف وسائل الإعلام مراهنات كالتي تنشرها هذه الأيام على صفحاتها ونبثها في نشراتها الإخبارية الأولى، بخصوص الشخصية التي تتميز على بقية الشخصيات العشرين المطروحة أسماؤها أمام المشاركين في الحوار الوطني.

ويبدو من الواضح أن التجاذبات والاختلافات بشان هذه الشخصيات التي ترشحها الأحزاب، ما عدا حزبي النهضة ونداء تونس الرافضين المبدأ لأسباب غير متشابهة، ستتواصل وستستغرق أياما أخرى تضيع من تنفيذ بنود خارطة الطريق، وتؤخر بالتالي الحل النهائي للأزمة السياسية.

فبالرغم من أن المرحلة الراهنة تفرض حتمية التوصل إلى توافق فيما يتعلق بالشخصية المرشحة لمنصب رئاسة الحكومة، في أقرب الأجال، إلا أن الأحزاب المشاركة المقتنعة جدا بهذا المبدأ تعمل عكسه داخل القاعة المغلقة للحوار الوطني، وتتمسك بحقها في رفض ترشيح أسماء بعينها.

وبعيدا عما تتناقله وسائل الإعلام، التي تزيد من التوتر والمشاحنات في أغلب الأحيان، فإن الأسماء الأربعة التي حصل حولها شبه إجماع هي لشيوخ مارسوا السلطة في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وفيهم من كان وزيرا لدى بن على، أما السمة الأبرز فهي تعديهم لسن الخامسة والسبعين، بل إن أكثرهم حظوظا لترؤس الحكومة، وهو السيد أحمد المستيري الرئيس الأسبق لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين المعارضة يتجاوز عمره 88 عاما كاملة.

وإذا تمعنا في بعض تفاصيل المقاييس التي حددتها الأطراف المشاركة في الحوار في اختيارهم لرئيس الحكومة الجديد، نجد أن الشرط الأول الذي يتمثل في الكفاءة البينة والقدرة على العمل لمدة تتجاوز 12 ساعة يوميا، لا يتوفر إلا في قلة، وبذلك تزاح أسماء كفاءات كان بالإمكان أن تعطي إضافة هامة للمنصب المتراهن عليه.

وتفرض المقاييس أيضا أن يكون المترشح خال من أي انتماء سياسي وهو أمر صعب التحقيق، إضافة إلى أنه يشترط في رئيس الحكومة المقبل إلا يكون صاحب طموح شخصي قد يجعله يطيل مدة الحكومة ولا يساعد على إنهاء المرحلة الانتقالية كما يريده التونسيون.

ودون التعمق في المقاييس المضبوطة التي حددتها الأحزاب السياسية لخليفة على العريض، يرى المحللون السياسيون أن قادة التيارات السياسية عملوا على تضييق دائرة اختيار المترشحين قطعا منهم للطريق أمام منافشسيهم، إلا أنهم وقعوا في الحفرة التي عمقوا قطرها. 

ويشير هؤلاء المحللين إلى أنه من الصعب أن نشترط مقياس الكفاءة والتجربة والحنكة والخبرة ومعها نضع شرط عدم العمل في حكومات بن على وبورقيبة وعدم الانتماء إلى حزب سياسي.. ويتساءل البعض هنا: كيف نكون الخبرة دون العمل السياسي سواء صلب أي حكومة أو أي حزب سياسي؟!".

ويتندر التونسيون اليوم بالمقاييس التعجيزية التي وضعتها الأحزاب والحت على وجوب توفرها في المترشح لمنصب رئاسة الحكومة، مطالبين بضرورة التخلي عن بعض الشروط المجحفة والا فستضطر النخبة السياسية إلى استيراد شخصيات مستقلة من دول الجوار..

وعلى بعد أمتار من مقر المجلس الدستوري سابقا والذي يحتضن أعمال الحوار الوطني، نشبت مشادات كلامية بين نواب حركة النهضة ونواب المعارضة الذين عادوا إلى مقاعدهم منذ الاثنين بعد انطلاق الحوار وتعهد العريض باستقالة حكومته.

فقد طالب أعضاء من المعارضة بوجوب حذف الفصل 115 من النظام التأسيسي والذي يقضي بمساءلة الحكومة من طرف أعضاء المجلس التأسيسي وذلك انسجامًا مع بنود خارطة الطريق التي تنص على أن تتشكل الحكومة الجديدة من كفاءات غير متحزبة وكاملة الصلاحيات، في حين تمسك نواب الترويكا بوجوب الإبقاء على هذه الفصل بالذات حرصا على إعلاء سلطة المجلس التاسيسي باعتباره أعلى سلطة شرعية في البلاد.

في جانب آخر، بدأت مسلسلات التقييم لسياسة على العرض وأداء حكومته على مدى السبعة أشهر التي استغرقها في السلطة، حيث تبينت الآراء ولم تتفق على فشل حكومة الترويكا الثانية من عدمه.

فعلى العريض الذي كان استلم السلطة بعد استقالة رئيس الحكومة الأسبق القيادي النهضوي حمادي الجبالي، مافتئ يؤكد أن حكومته لم تفشل وما تقديمه لاستقالتها إلا حرصا على المصلحة العليا للوطن ولدفع الحوار الوطني ووضعه على السكة الصحيحة.

زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، لم يتوان عن القول إن "النهضة ستغادر الحكم ولكنها لن تتخلى عن السلطة"، ووصف اليسار المعارض بــ"الاستئصالي والإنتهازي" موجها دعوات "لطيفة" إلى الدستوريين وبقايا التجمعيين الشرفاء إلى الالتحاق بالنهضة لبناء دولة وتصور المرحلة القادمة.

وفي المقابل، هدات الأجواء قليلا داخل الأحزاب المعارضة وفي بالتوهات التلفازات التي خفت بريقها منذ يوم الأربعاء الماضي بمرور ذكرى 23 أكتوبر حاملة معها استقالة حكومة على العريض وفق "ما اشتهته أحزاب جبهة الإنقاذ".

ولم يعد الحديث اليوم عن فشل حكومة الترويكا الثانية، فذاك أمر تم الحسم فيه والدليل، استقالة التحالف الحاكم نزولا عند رغبة منافسيه، وفق ما يراه المعارضون.

والحقيقة أن المتتبع للشأن المحلي لاحظ بكثير من الريبة الحملات الإعلامية والتجييش المتعمد ضد حكومة الترويكا منذ اعتلائها سدة الحكم وذلك على خلفية وقائع ملموسة كالأعمال الإرهابية التي تكثفت في الأشهر الأخيرة، وعلى خلفية معارك مفتعلة كان الهدف منها الإطاحة بالحكومة مهما كلف الأمر، دون تقديم بدائل عنها.

صحيح أن الأزمة رمت بضلالها الكثيفة على الواقع الاقتصادي الهش، وصحيح أن قبضة الحكومة لم تكن من حديد في وجه الجماعات المسلحة، وصحيح أن وزراء الترويكا كانت تنقصهم الشجاعة الحاسمة لفتح الملفات الحارقة والحسم فيها وانهم كانوا سجناء أحزابهم حتى في طريقة إدارة وزاراتهم، صحيح أن الوضع الأمني لم يشهد انحدارا مثل الذي يعيشه التونسيون اليوم، فضلا عن الارتفاع الجنوني للأسعار.

إلا أنه من التحامل القول إن هذه المشاكل المتراكمة منذ الثورة والتي تعاقبت عليها ثلاث حكومات دون أن تنهيها، لا يمكن لحكومة مبتدئة كحكومة على العريض أن تجد لها حلولا سحرية، على حد تعبير رئيس اتحاد الشغل الحسين العباسي متحدثا عن الحكومة الجديدة.

والواضح أن حكومة العريض القادم من على رأس وزارة الداخلية والذي خلف حمادي الجبالي في ظرف سيئ للغاية، غداة اغتيال السياسي شكري بلعيد، لم تمهلها المعارضة المتربصة بها طويلا لتعلن فشلها مما أربك الأداء الحكومي وبعثر جهود وزراء الترويكا الذين سخروا الكثير من الوقت والجهد في دفع الاتهامات عن حكومتهم وعن أحزابهم، ثم انتشروا على الفضائيات  يردون بتشنج دفعته إليهم أحزاب المعارضة الجالسة على الربوة.
 
فالنخبة السياسية التي كانت مجبرة على الجلوس إلى طاولة الحوار قبالة بعضها البعض دون أن يتبادل ممثلوها حتى السلام في بعض الأحيان، تدرك جيدا أنه لا مناص من التركيز على الحلول المقترحة لحلحلة الأزمة الراهنة التي تتفاقم يوما بعد آخر، في ظل غياب تام لترجيح كفة المصلحة العليا للوطن من هذا الشق أو ذاك.

ولا يبدو جليا أن الطبقة السياسية يمينا ويسارا، دالخل السلطة وخارجها، ستنجح في تعيين شخصية تونسية تتوفر بها كل الشروط التي وضعتها هي نفسها، وحتى في حال تحديد اسم ليعتلي منصب رئاسة حكومة الكفاءات الجديدة، فإنها يتعين عرضها على المجلس التأسيسي لتزكيتها...وهنا ستلعب الأغلبية الحاكمة دورها بكل ريحية وبراحة بال مبالغ فيها.

وعليه فإن رياح الطمأنينة التي هبت على مقر الحوار الوطني سيتغير مجراها في قادم الأيام وستضعف جرعة الأمل التي زرعها جلوس الفرقاء إلى طاولة الحوار وتعنت المعارضة في طلباتها مقابل إذعان الترويكا الحاكمة لأوامر اليسار...في انتظار انتفاضة الأغلبية في المجلس التأسيسي.
الجريدة الرسمية