رئيس التحرير
عصام كامل

هيا بنا نعقل

ما بين غمضة عين وانتباهتها كبر الشاب نبتت شعيرات لحيته؛ فاستشعر رجولته داعبته أحلام الاستقرار، وما أن من الله عليه بفرصة عمل؛ حتى فرح به مؤقتا وشكا من راتبه دائما، حتى داعبت مخيلاته أحلام «تكوين الأسرة والبيت والاستقرار»، أو هكذا ربط المسكين بين الزواج والاستقرار؛ فاعتبر الزواج هو الغاية العظمى والفرحة الكبرى..


انتهت ساعات الزفاف، واختفت أصوات الموسيقى وذهب الضيوف كل منهم إلى منزله، وأهل الزوجين يرفعون أكف الضراعة لهما بالدعاء بصلاح الحال والذرية الصالحة، وخلا الزوج بعروسه في لحظات بالنسبة لهما «تاريخية» وهما يرسمان أحلام المستقبل ويتوقعان إنجاب البنين والبنات.. خلا كل منهم بالآخر قبل أن يخلو بعقله، وربما لو حدثت «خلوة بالعقل» لحلت مشاكل كثيرة، طالما أرقت المجتمع والدولة، لكن يلهينا التكاثر كثيرا عن إعمال العقل، الذي ربما انقاد إلى أفكار جاهلية.

إننا نتحدث عن «تنظيم الأسرة»، ولا زالت هناك مفاهيم بالية ترسخت منذ آلاف السنين أمثال «حب العزوة، وتفضيل إنجاب الذكور»، ومن الناس من يستعجل الزواج من دون أهلية له، مستهدفا بذلك أن يكون لديه «عيل في ظهره»، أو «يحمل اسمه».. إن لدينا في أريافنا في غياهب الوجهين «البحري والقبلي»، من يؤمن بعدم احتساب «البنات» بين الأبناء؛ لأنه يعتقد أن البنت لبيت زوجها، أما الولد فلأبيه يحمل اسمه وميراثه وتاريخه التليد.

الهجّانة وأخواتها
إنني أصاب بصدمات صاعقة حينما أسمع عبارات دعاء من بعض البسطاء داخل العائلات والأسر تردد كلمات «ربنا يرزقك بالولد»، حتى الدراما المصرية الضاربة في أعماق تاريخ الفن العربي ترسخ ذلك أيضا.. إنني أقول قولي هذا من واقع تجارب لدى الأصدقاء والأهل، ولدي إيمان عميق أيضا بقدرة مؤسساتنا الدينية وفرسان الأزهر الشريف على تفنيد تلك المفاهيم البالية وإعادة الاعتبار لفكرة الأسرة وقيمتها من حيث أهلية أبنائها وتربيتهم وحسن إعدادهم لمواجهة الحياة العصرية الحديثة لا من حيث تعدادهم.

إن التوعية بتنظيم الأسرة تحتاج خططا طويلة الأمد وصالحة للتطبيق بأقرب وقت مع شمولية التعاطي مع الأزمة من مؤسسات الدولة كافة بشرط التخلي على الأساليب القديمة في المواجهة، والاستعانة بوجوه جديدة ذات قبول شعبي وقادرة على المناورة ضد تيارات الجهل والظلام والرجعية.. يحفظ الله مصر وشعبها ويوفقها إلى كل خير.
الجريدة الرسمية