رئيس التحرير
عصام كامل

من يراقب الرقيب؟

كانت الرقابة منذ عهد بعيد سيفا مُسلطا على الإعلام والصحافة والفن والأدب، وكان مقص الرقيب أهم من الحرية والإبداع، وكان من حقه التدخل لحماية الأخلاق والآداب العامة، وأحيانا كان ينحرف عن مساره ليُقَلم بعض الأظافر، ويُكمِم بعض الأفواه، ويكبِت بعض الأفكار.


ولم يكن هناك رقيبٌ على الرقيب، بل امتدت يد البطش قديمًا لتنال من أصحاب الرأي، إلى أن تدخل المُشرع لينتصر للحرية والإبداع، وكان آخر تدخلاته بقانون تنظيم الصحافة والإعلام.

رقابة محددة 
وكان لابد للقانون الذي ينظم الصحافة والإعلام أن يُنظم شئون المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، في ظل المُستجدات الداخلية والخارجية التي جعلت الإعلام أحد القوى الشاملة التي لا غنى عنها لأى دولة لتحقيق أهدافها وحماية مُكتسباتها.

ونتج عن ذلك إمكانية بسط الرقابة القضائية بشكل أفضل على قرارات هذا المجلس، وغيرها من القرارات التي تمس الصحافة والإعلام، ولعل هذا التدخل التشريعي، والرقابة القضائية يُهيئان الاجواء لظهور أمثال  كاتبنا الراحل إحسان عبدالقدوس، ولكن ما هو مضمون ذلك التشريع؟ 

قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رقم 180 لسنة 2018 أخضع لأحكامه جميع الكيانات والمؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية، إلا ما استثناه صراحة، مُلغيا كل ما يخالف أحكامه في قوانين سابقة أو قائمة وقت صدوره.
 
وأجاز المشرع بموجب هذا القانون للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام فرض رقابة محددة على سبيل الاستثناء على الصحف ووسائل الإعلام المصرية في زمن الحرب أو التعبئة العامة، فخوله إصدار قرارات بضبط النُسخ الورقية للصحيفة المخالفة، كما منحه سلطة حذف أو حجب المواد المنشورة إلكترونيا حال مخالفتها تعليمات الرقابة، ووقف بثها إعلاميًا.

لائحة الجزاءات كما أجاز لهذا المجلس أن يتدخل بالمنع من دخول جمهورية مصر العربية أو التداول أو العرض في شأن المطبوعات أو الصحف أو المواد الإعلامية أو الإعلانية التي تم بثها أو صدرت من الخارج، وذلك كله وفقا للاعتبارات التي يقتضيها الأمن القومي.

كما ألزمه المشرع بمنع تداول المطبوعات ووقف أو حجب المواقع أو المدونات الإلكترونية التي من شأنها تكدير السلم العام بالتعرض للأديان أو ترويج الإباحية أو العنف أو العنصرية أو تلك المتضمنة طعنا في الأعراض أو السب أو القذف، وسواء في ذلك الوسائل الإعلامية أو تلك الحسابات الشخصية التي يبلغ عدد متابعيها خمسة آلاف متابع أو أكثر، دون الإخلال بالمسئولية القانونية المترتبة على مخالفة تلك المحظورات.
 
ومن ثم أوسد المشرع إلى هذا المجلس الأعلى وضع لائحة بالجزاءات والتدابير المالية والإدارية التي يجوز توقيعها على المؤسسات الصحفية والإعلامية على اختلافها حال مخالفة أي منها أحكام هذا القانون، وكذلك تنظيم إجراءات التظلم منها، معتبرا أحكام هذه اللائحة جزءا من تراخيص وموافقات مباشرة الأنشطة الإعلامية.

رقابة القضاء
وأجاز تضمين تلك اللائحة إلزاما للمؤسسة أو الوسيلة الإعلامية بإزالة أسباب المخالفات التي تقع منها خلال مدة محددة، أو الاضطلاع بإزالتها على نفقة تلك الأخيرة، على أن يكون جميع ما تقدم بعد فحصٍ للمخالفات يَثبُت به انتهاك المعايير والأعراف المهنية.
 
وأما بشأن أعضاء النقابات ذات الصلة بالنشاط الإعلامي فقد حدد المشرع لهذا المجلس الأعلى سبيل إخطار النقابة المختصة بالمخالفات التي صدرت من أي من أعضائها بمناسبة ممارسة هذا النشاط، مُلزِما النقابة باتخاذ الإجراءات التأديبية في مواجهة العضو المخالف الـمُخطَرة بشأنه..

وإجمالا، لم يترك المشرع أمر تقدير مشروعية جميع قرارات المجلس الأعلى في الشأن السالف بيانه فُرطا، وإنما أوجَبَ تسبيبها، وخضوعها من ثم صراحة لرقابة القضاء حال ارتأى ذوو الشأن الطعن فيما صدرت به تلك القرارات من جزاءات أو تدابير، بعد التظلم الواجب منها إلى ذات المجلس الأعلى مُصدِرُها.. وللحديث بقية
الجريدة الرسمية