الإثنين 25 يناير 2021...12 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

مذكرات الفاجومي .. إنتاج مشترك

مقالات مختارة 841

كنت أعرف أني سأقرأ هذا الكتاب لا محالة، اليوم أو غدًا، بمجرد علمي بأن هناك مذكرات لـ"أحمد فؤاد نجم"، فهذا كاف جدًا لشراء الكتب والغوص في أوراق «الفاجومي»، لكن قراءة كتاب "بلال فضل" عن المفضلات المائة من الكتب تسبب في التعجيل، وعلى الفور بدأت القراءة. اضافة اعلان


قبل قراءة مذكرات "أحمد فؤاد نجم"، كان سؤال هل أضحكك كتاب من قبل بصوت عال؟، الإجابة لا، لكن بعد قراءة مذكرات "أحمد فؤاد نجم" أصبح نعم، أما عن التوقعات فإنها جاءت على عكس المتوقع، نعم أعترف بذلك، لقد خُيل لي أني ساقرأ عن التعذيب في السجون، عن قادة التعذيب، عن لغة المعتقلات التي قضى فيها «الفاجومي» ربع حياته على الأقل، لكنه فاجأني بالحديث عن النشأة، الحياة في الشرقية، الحب، النزوات، جلسات الشيخ إمام. 

ولم يؤرخ للرؤساء والزعماء الذين عاصرهم والذين التقاهم الرجل، وفي النهاية هي مذكرات ناقصة بلا شك لكنها تظل ممتعة، وبداية من تلك الحلقة فإنني أطمع أيها القارئ العزيز أن تشعر معي بالمتعة، حتى لا أشعر أنا أن رأيي أولًا وأخيرًا مجرد تحيز لشاعر أحببته جدًا.

أن تكون شاعرًا فهذا لا يعني أن هناك نشأة أجبرتك على ذلك، وأن تتحدث عن الناس وآلامهم بمصطلحاتهم فهذا ليس صك أنك ذقت كل هذا، لكن بمجرد معرفة نشأة "أحمد فؤاد نجم" يمكن القول إنه ما كان ليخرج عما صار عليه، إنه نتاج الطبيعة التي نشأ فيها، نتاج والدته «هانم» الحكاءة والحافظة لوصلات الردح ذات السجع التي اعتاد عليها الطفل الصغير، وهو نتاج والده «المزواج» الذي يعد «الفاجومي» نسخة مصغرة منه باستثناء الشعر، وهو نتاج عائلة لم تقل له «عيب» عكس إخوته، وحين كان يسأل إخوته عن سبب ذلك ترد أمه «ده ناقص والعيب منه مش عيب» لذلك صار الولد الصغير «فاجومي».

يأخذنا "أحمد فؤاد نجم" إلى بداية حياته، فيقول معرفًا نفسه «أحمد فؤاد نجم شاعر مسلم وموحد بالله، أمي علمتني اللماضة فلاحة لا بتقرا ولا بتفك الخط بس مكلمة ولما تبدأ متنتهيش، زي إبريق العسل اللي ميل على بزبوزه وهاتك يا نز، متعرفش بتجيب الكلام منين ايشي حكم على حواديت على مواويل، ولما كنا نتخانق وده يوميًا، كانت تبدأ بالموشح بلعن سنسفيل جدود اليوم المنيل بستين نيلة اللي هو يوم 22 مايو 1929..

كان يوم أسود يوم ما جبتك كان صباحه أسود من مساه الصبح، وعلى ريق النوم يافتاح بلا مفتاح جاني الخبر اللي هو أسود من قرن الخروب، قال إيه أبوك الله يجحمه مطرح ما راح كان عاوز يتجوز عليّ، الضهر وفي قولة الله أكبر زعق غراب البين جاب خبر الحاج متولي الطحش المزين جوز أختي منتهى الحزينة، اللي جات يا عيني تفرح مالتقتلهاش مطرح..

صفار شمس فرقع وابور الجاز في بطن البت "فردوس" بنت جارتنا وراحت يا قلبي شابة تقول للقمر قوم لما اقعد مطرحك وقبل ما يرجعوا من دفنتها جاني الطلق فيك يا مخفي الاسم، وبعد حزق ومزق وهدة حيل نزلت يا مقصوف الرقبة، وياريتك ما نزلت، كل عيال المسلمين بتنزل بدماغها إلا أنت نازل برجليك لما كنت هتموتني، امي جابت تلتاشر بطن منهم أربعة مجوز يبقى المجموع 17 انا كنت عضو في المجوز الرابع والأخير من مسلسل حشو أحشاء المواطنة المصرية "هانم مرسي نجم" أمي عليها السلام»

يكفي أن يكون هذا مولد "أحمد فؤاد نجم"، بل ولعله اليوم الأنسب لتلك الشخصية، وإن كانت تلك والدته فإن أباه يقول عنه «أبويا "محمد أفندي عزت" ضابط البوليس الحليوة المعجباني اللي مقطع السمكة وديلها، وملهلب قلوب النسوان ومسهر العذارى في المضاجع، خد أمي وهي بنت تلتاشر سنة حسب روايتها، شافها وهي بتلعب مع البنات في الحارة، وسأل مين البيت البيضة أم شعر أصفر وعيون فيروزي دي، قالوله دي "هانم" بنت عمك، قالهم عمي مين قالوله عمك الحاج "مرسي" صاحبنا..

مكدبش خبر على بيت عمه وطلبها منه لإ إحم ولا دستور، ستى "آمنة" اللي كانت زي الأرنبة الرومي مقدرتش تمسك نفسها ورفعت صوتها، ورفضت، لكن جدي صمم واتجوزوا، أجعص عروسة أيامها كان بيندفع فيها خمسة جنيه، لكن أمي اندفع فيها 15 وفي ظرف أسبوع كانوا جهزوها وعلى بيت العدل دوروها».

ويكمل "الفاجومي" تلك السيرة الفلكلورية التي تعبر عن حال الزواج وقتها، فيقول «بعض الناس الطيبين وأولهم ستي "آمنة" كانوا حاطين إيديهم على قلوبهم وخايفين على البت المفعوصة من وحش الغلا الكاسر "محمد أفندي عزت"، وتلاقيه هو كمان كان بيتهيأله إنها حتبقى حمل، عيلة بقى لا راحت ولا جت ومطلوب منه يعلفها زي أي جاموسة، مالحقش الزمان يروح ولا يجي وفي ظرف سنة كانت البت الفلاحة المفعوصة بقت الست "أم على" عمدة نسوان شارع سيدي المعالي في شبرا البلد، واتحول والدي إلى زوج مطيع جدا..

بطل السنكحة على القهاوي، لأنها اتعلمت له سرا كل ألعاب التسلية من كوتشينة بجميع أنواعها لدومنة عربي وأمريكاني لطاولة وفاجئته بمستواها، وكمان حطت كتفها في كتفه وزاملته بشرف وجدعنة، واتغربت معاه في كل بلد راحها ورا أكل عيشه، من مصر لإسكندرية لطنطا للسويس لبنها العسل. 

كان المرحوم أبويا سايب سلك البوليس، واتعين في وزارة المالية، ولما وصلنا الزقازيق استلم عمله رئيس خزينة محكمة الزقازيق، وكان يزورنا كل خميس بعد الضهر، ويقضي معانا الجمعة ويصبح السبت يسافر على شغله، وكان عندي 5 سنين وشفت أبويا كويس وكنا بنستنى زيارته زي العيد».

لم تدم الحياة الهانئة كثيرًا، في 8 يوليو 1935 تبدلت الأحوال وصار يتيمًا، يصف اليوم بكل تفاصيله «يومها كنت قاعد مع أعمامي وفوجئنا بأمي "زنوبة"- يطلق على سيدات العائلة جميعهم أمي وعلى رجالها عمي- هاجمة علينا بحلة مليانة وراحت دالقة نصها فوقي نيلة زرقا وهي بتقول أبوك مات يا يتيم..

يا خراب بيتك يا "هانم"، جرينا كلنا على البيت فتشت بعيني لقيت أبويا نايم ومتمدد على السرير وعينه مفتحة، وشفت أمي مرمية على الأرض مغمي عليها، مات "محمد" أفندي وكان رأي أمي "زنوبة" إنه على الجنة حتف لأنه مات في عز شبابه، لكن كان رأي أمي "هانم" إنه مات ومفيش في جيبه غير 3 جنيه هما كل التركة لولاده الخمسة وأرملته الشابة الجميلة».

الحلقة القادمة.. موهوب بالحماقة