رئيس التحرير
عصام كامل

رحلة في عقل "إخواني" (6)

من خلال الأجزاء السابقة من هذا المقال رأينا كيف تنتقي جماعة الإخوان أفرادها، ثم تعزلهم داخل أسوار التنظيم بسياج من الأفكار والتصورات والقناعات، وتغلق عقولهم بأقفال من الرفض وعدم الثقة في كل فكر مخالف، وتمنعهم من أن يتنسموا نسمات الحرية فيصبحوا أسرى للتنظيم، ولإن كانت هذه الطريقة من التربية من الممكن أن تبني تنظيمًا قويًا من الناحية الهيكلية البنيوية؛ إلا أنها تجعله تنظيمًا ذو عقل ضامر لا يستطيع تحقيق نجاح استراتيجي، إذ يصبح العقل عاجزًا عن قراءة الواقع واستشراف المستقبل بشكل جيد، وعاجزًا كذلك عن فهم التطورات ومواكبتها وعن التجديد والابتكار في العمل سواءً على مستوى الأهداف أو الوسائل، وسوف نحاول في هذا الجزء الأخير أن نلقي الضوء على نتائج أسلوب جماعة الإخوان في تشكيلها لشخصية أفرادها، من خلال عدة نقاط:


1- نظرة الجماعة لأولويات الاختيار منذ البداية والتي تتمثل في تفضيل ضم الأفراد المميزين من الناحية الدراسية، والزهو والمباهاة بأن الكثير من أعضاء الجماعة أطباء ومهندسين، والتركيز على خريجي الكليات العلمية وتفضيلهم في تولي الصدارة في الجماعة، ظنًا منهم أن ذلك يُعلي من شأن الجماعة أمام المجتمع ويكون عنصر جذب لهم؛ تسبب في أن جعل الأفق الفكري للجماعة والخيال السياسي لها ضيقًا، إذ أن مهمة إدارة الحركات الاجتماعية والسياسية تحتاج إلى دارسي العلوم الإنسانية أكثر من العلوم الطبيعية، فهم القادرين على صناعة الأفكار وعلى الإبداع، ورسم السياسات ووضع الأهداف.

مجتمع مواز
2- تحولت الجماعة إلى "جيتو"  يمثل مجتمعًا موازيًا يستغرق الفرد ويحيطه من جميع جوانبه، وقد ترتب على ذلك بعض الأمور، منها شعور الأفراد بالانعزال والتميز عن المجتمع، والشعور بالاستعلاء على الآخرين حيث يرون أنفسهم أنهم هم فقط أصحاب رسالة، فيما يرتع الآخرون ويلعبون ويبحثون عن ملذات الدنيا، وهذا بالطبع من أسباب رفض الكثير من الناس للجماعة بل وكرههم لها، وكذلك صعوبة الاستغناء عن هذا المجتمع وعدم قدرة الفرد على تركه مهما بدا له من عيوب بداخله..

ولا يستثنى من ذلك إلا من تهدمت في عقله كل الأفكار المؤسسة التي يقوم عليها التنظيم بحيث يصبح بناءً غير صالح للحياة بالنسبة له، أما من توقف عند حد رفض بعض الممارسات، أو الاعتراض على بعض السياسات والوسائل التي تمارسها الجماعة؛ فإنه ورغم ذلك قد لا يستطيع الخروج من الجماعة، الأمر الذي يجعله دومًا أسيرًا للتنظيم، حيث لا هو استطاع البقاء فيه والتفاعل معه، ولا هو استطاع أن يتحلل من التزاماته معه ومن قيوده عليه وينطلق في أفق الحياة الرحبة ربما يجد سبيلًا أكثر توافقًا معه.

3- الجماعة تخلق عقلًا مليئًا بالكثير من المسلمات والبديهيات التي لا يستطيع كسرها، حيث تصور له عددًا من الأمور التي تقبل الأخذ والرد وتقبل تعدد الآراء على أنها ثوابت لا يجوز الخروج عليها، فتنتج إنسانًا عاجزًا عن التفكير، بل خائفًا منه، رافضًا لمجرد الاطلاع على أفكار أخرى خشية أن يصطدم بما يخالف ما ألفه وتربى عليه، مما يفقد الجماعة نفسها قبل الفرد ثمار العقلية الناقدة المتبصرة التي لديها القدرة على إدراك الأمور والدفع بالجماعة إلى الأمام، والقدرة على تعديل مسارها إذا انحرفت، وتقويمها إذا اعوجت، وإعادة بنائها إذا أخفقت.

قداسة وغياب الفكر
4- إضفاء قيادات الجماعة على نفسها مسحة من القداسة، ووصفها لنفسها بأنها "ربانية"، وترسيخ معاني الثقة المطلقة فيها كما رأينا، وأنها منزهة عن الخطأ وعن هوى النفس؛ يجعل الأفراد يسيرون ورائها كالقطيع، إن ذهبت نحو اليمين ذهبوا وبرروا، وإن ذهبت نحو الشمال كذلك، ولا تجعلهم قادرين على سؤال قياداتهم فضلًا عن محاسبتهم، وتسمح للفساد أن يتغلغل داخل جسد التنظيم، ويجعلها عصيّة على الإصلاح والتطوير، ويجعل من الأفراد مسخًا وغثاءً.

5- نتج عن أزمة غياب الفكر لدى الجماعة، ونظرة التقديس الخاصة بالبنا، أن الجماعة جَمُدت وتوقفت عند حدود حسن البنا وأطروحاته وآرائه، واكتفت بما وصل له حتى ولو كان غير مناسب للواقع الحالي، حتى في بعض الأحوال التي تضطر الجماعة فيها أن تتبني رأيًا مخالفًا لحسن البنا فإنهم يفعلون ذلك دون مراجعة واضحة لذلك الرأي.

6- تدخل الجماعة في حالة من الصراع والصدام بشكل مستمر ومتكرر، وفي ذات الوقت لا تقوم بعمل أي نوع من أنواع المراجعة أو التقييم الجاد لتجربتها، وترد كل ذلك إلى ما يحاك بها من مؤامرات بسبب أنها ترفع شعار الإسلام.

التعصب حجر عثر
7- الجماعة تُصوّر أي منافسة بينها وبين الآخر على أنه صراع بين الحق الذي يمثلونه وبين الباطل، وأي اعتداء عليها على أنه محاربة للإسلام، وأي رفض لأفكارها على أنه رفض للدين وللشريعة، ولذلك فهي تخلق أفرادًا متعصبين، معتقدين أنهم أصحاب الحق المطلق، يدورون حيث دارت الجماعة، يبحثون دائمًا عن المبرر لكل تصرف وكل قرار وكل فكرة وكل موقف تتخذه الجماعة، قد يؤيدون القرار وعكسه بعد قليل، لا يبحثون عن الحق حيث كان، ولكن يبحثون عن كل موقف للجماعة ليُلبسوه لباس الحق، ينتصرون لأنفسهم ولجماعتهم حتى ولو على حساب الحق.

8- يؤدي جمود الجماعة على منتجات الفقه السياسي القديم، ورفضها للمنتج البشري الغير منتمي للحضارة الإسلامية، إلى جعلها غير قادرة على تقديم طرح جديد يتناسب مع التطور الحادث في كل نواحي الحياة، الأمر الذي يجعل الجماعة بمثابة حجر عثرة أمام تقدم المجتمع، ويحول الدين على يديها إلى معضلة بدلًا من أن يكون مرتكزًا للنهضة.
الجريدة الرسمية