Advertisements
Advertisements
الإثنين 21 يونيو 2021...11 ذو القعدة 1442 الجريدة الورقية
Advertisements
Advertisements

حرب الراديو في أفريقيا

مقالات مختارة 855

مبكرًا جدًّا، انتبه الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، إلى خطورة الإعلام في الأمن القومي.. لم يكن التليفزيون قد ظهر بعد في أوائل الخمسينيات، فاستخدم الإذاعة كأفضل ما يكون.. اتخذ من "صوت العرب" سلاحًا لقيادة حركات الاستقلال في الدول العربية، و"الإذاعات الموجهة" لإشعال ثورات التحرر في القارة الإفريقية.

تأسست "صوت العرب" عام 1953 لتكون أول وأشهر الإذاعات المصرية التي بثت لجميع أقطار العالم العربي، وكانت الوسيلة الأساسية لمناهضة الاستعمار الأجنبي، ودعم مفهوم الوحدة العربية والأفكار الثورية، وحثت العرب على دعم المناضلين في البلاد المحتلة ومحاربة "الرجعية".

السودان.. لماذا يدعم إثيوبيا ضد مصر؟!

 

وفي العام نفسه انطلقت الإذاعات الموجهة لإفريقيا، وإندونيسيا، وجنوب شرق آسيا، وأنشئت الإذاعة باللغة السواحلية الموجهة لشرق وغرب أفريقيا، ثم توالت المحطات، ففي عام 1955 أنشئت إذاعة برنامج الهوسا الموجه لأفريقيا، وبعض الإذاعات كانت موجودة مثل برنامج الشونا الموجه إلى جنوب أفريقيا. كانت الإذاعات المصرية الموجهة الثالثة عالميا، بعد بى بى سى، وصوت أمريكا.

 

وغطت جميع الدول الإفريقية وجنوب أوروبا والأمريكتين، ونجحت في التواصل مع الجاليات المصرية في أستراليا، وعمق الأراضي المحتلة مخاطبةً الإسرائيليين، ووصلت قوة تأثيرها إلى حد دفع رئيس وزراء الاحتلال، مناحم بيجن، بعد وفاة عبد الناصر، لمطالبة السادات، في أعقاب محادثات "كامب ديفيد" بتقليص ساعات الإرسال باللغة العبرية وتخفيف حدة خطابها.

 

هذه القوة الهائلة نالها من الإهمال والتجاهل، ما نال غيرها من أدوات القوة الناعمة بعد وفاة عبد الناصر.. فانهارت لعدم مواكبتها التقنيات الحديثة في البث الإذاعي وتهالك معداتها.. وانتهى المشروع تقريبًا  .

 

الفرق الرياضية وأزمة سد النهضة

 

ومع تراجع دور الإذاعات، تراجع دور مصر الإقليمي في المنطقة، وخاصة في أفريقيا، وضعف ترددات الإذاعات الموجهة لعدم تطويرها، إذ أن معظمها بث عن طريق موجات قصيرة ومتوسطة، وبالتالي إرسالها يكون ضعيفًا للغاية.

 

كانت "الإذاعات الموجهة" بالإذاعة المصرية تضم 17 إذاعة موجهة، وتبث بـ 23 لغة، بلغات أهلها إضافة إلى الإنجليزية والفرنسية، وكان عدد ساعات البث يوميًا 61 ساعة، يعمل بها 4500 شخص مابين إداري ومذيع.

 

في عام 2006 ألغى ممدوح البلتاجي، وزير الإعلام الأسبق، 7 إذاعات، وتقليص الموجود منها إلى 10 إذاعات فقط، وتقليل ساعات البث من 72 ساعة إلى 20 ساعة فقط، ثم ما بين 4 ساعات إلى نصف ساعة يوميًا، وإجمالي ساعات البث 72 ساعة أسبوعيًا؛ بدعوى ترشيد النفقات.

 

وكان من أشهر برامج الإذاعة الموجهة: "الحقيبة الإفريقية"، وتبث باللغة السواحلية، وتستعرض العلاقات الإفريقية والتعاون من أجل التنمية، و"حكايات إفريقية"، برنامج فني وثقافي يتناول تاريخ مختلف الحضارات الإفريقية، و"بين السياسة والتنمية" ويقدم باللغة الأمهرية، ويلقي الضوء على المشروعات المصرية في قلب الدول الإفريقية المختلفة، و"مصر تتحدث عن نفسها" ويعرض باللغتين الفرنسية والأمهرية، ويرصد الرؤى المصرية في العلاقات مع دول حوض النيل.

 

دافع عن فلسطين ومات برصاص فلسطيني!

 

ولا تزال كثير من البلدان الإفريقية تهتم جدًا بالراديو، لأنه الأقل تكلفة والأكثر وصولًا للشعوب الأفريقية. ورغم نجاح موقع بث "الإذاعات الموجهة" على الموقع الموحد لماسبيرو، إلا أن معظم الشعوب الإفريقية تهتم بالاستماع إلى الراديو، كما أن بعض الدول لديها رغبة في الحصول على خدمة البث وبثها على موجات "fm".

 

وبطبيعة الحال، لم تكن قرارات البلتاجي، رحمه الله، نابعة من بنات أفكاره، وإرادته المنفردة، بل كانت وراءها تعليمات من القيادة السياسية آنذاك؛ الأمر الذي يكشف عن مدى الانهيار الذي كنا نعانيه في العلاقات الخارجية، وإدارة الشأن الوطني.

 

ومؤخرًا، وجه الغازي العثماني أردوغان أنظاره نحو أفريقيا، منتهجًا أسلوب عبد الناصر نفسه.. باستخدام الإذاعات الموجهة.. ولحسن الحظ؛ فقد تنبهنا لذلك سريعا.

 

أردوغان، حسبما ذكر زميلنا النابه "سيد غنيم" في تقرير له بعدد "فيتو" الصادر بتاريخ 24 مارس الجارى، شرع في شراء ساعات من الهواء بعدد من إذاعات دول أفريقية، والتعاقد مع مذيعين من تلك الدول بأموال ومقابل مادي كبير للغاية؛ لبث مواد إعلامية ومحتوى تم إعداده بعناية فائقة، من خلال جهاز المخابرات بأنقرة..

 

على أن تذاع باللهجات التي يتقنها غالبية سكان القارة مثل “السواحيلى، الزولو، والفولانية”، والتي يتحدث بها المذيعون عبر موجات الإذاعات ليستغل التركي تلك الفترات في توجيه الرأي العام بدول القارة السمراء لمصالحه المشبوهة، وبث السموم والأفكار المغرضة، بهدف حصار مصر.

 

المستشار عمر.. "حدوتة مصرية" في قلب أفريقيا

 

بدأت بعض الجهات الوطنية، وبالتنسيق مع الإذاعة المصرية التي تمتلك شبكة واسعة من الترددات في الإذاعات الموجهة لأفريقيا، في التحرك لمواجهة مخططات الغزو التركي. وكانت البداية ببوروندي، حيث تم توقيع اتفاق للشراكة بين الهيئة الوطنية للإعلام (قطاع الإذاعة) وRadio Culture FM البوروندية لإعادة بث البرامج المصرية الموجهة باللغة السواحيلية إلى منطقة شرق ووسط أفريقيا كخطوة أولى في المواجهة.

 

إذاعة Radio Culture FM واسعة الانتشار وذائعة الصيت خاصة بين الشباب البوروندي، كما أن ترددها يغطي معظم منطقة شرق إفريقيا؛ لذا فقد وقع الاختيار عليها تحديدا.

 

وأعلنت السفيرة المصرية الدكتورة عبير بسيوني رضوان عن بدء عملية شراء المعدات والأجهزة اللازمة لبدء البث فورا من بوروندي للبرامج المصرية الموجهة بالسواحيلية إلى شرق ووسط إفريقيا.

نجم الأهلي.. الأب الروحي للكرة المصرية

في ذات الوقت، بدأ مسئولو الإذاعة البحث عن حل لأزمة نقص أعداد المذيعين في البرنامج التركي بالإذاعات الموجهة، حيث لم يعد هناك سوى مذيع واحد في الإذاعة يجيد تلك اللغة، ويبث مواد تكشف الفساد والتجاوزات التي يقوم بها أردوغان ونظامه في معاملة الشعب التركي.

كما تم الاتفاق مع ثلاثة طلاب من دولة أوزبكستان يدرسون بالأزهر ويجيدون اللغات الأصلية في تركيا ليتم ضمهم للعمل في الإذاعات الموجهة، بما يساهم في ترجمتهم لكل ما ينشر عن تركيا، وتحليل المضامين وبث المعلومات الحقيقية عن أخطاء نظام أردوغان التي تخفيها وسائل الإعلام التابعة له.

 

وتحميل الإذاعات الموجهة إلى تركيا عبر شبكة الإنترنت ليدعم ذلك وصولها لأكبر شريحة مستهدفة من الجمهور في كل أنحاء تركيا.

ندائي للرئيس عبد الفتاح السيسي بمزيد من الاهتمام بالإذاعات الموجهة.. فكل جنيه ينفق في هذا الملف يؤتي ثماره سريعا.. ويصب في خانة الأمن القومي.. لقد رأيت بنفسي حجم المعاناة والألم الذي يشعر به العاملون بتلك الإذاعات، والذين يؤدون مهمة وطنية رائعة.. آن الأوان لأن نعالج أخطاء الماضي، إعلاميًّا، سيما في هذا الوقت شديد الصعوبة.

Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements