رئيس التحرير
عصام كامل

جمهورية التكاتك

صباح الجمعة الماضية.. تسبب "توك توك" يسير عكس الاتجاه فى انقلاب حافلة ركاب بمدينة البدرشين بالجيزة، ومصرع خمسة أشخاص من أسرة واحدة، وإصابة 16 آخرين، بعضهم لا يزال قيد العناية المركزة. هذه ليست الحادثة الأولى التى يكون البطل فيها "توك توك"، ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال، وتحديدًا فى محافظة الجيزة، أكثر محافظات مصر فوضى وعشوائية فى عهد محافظها الحالي أحمد راشد. الجيزة منكوبة بمحافظها الحالي ومُحافظيها السابقين.


حصيلة الوفيات والإصابات فى هذه الحادثة تفوق ضحايا أى حادث إرهابي. الدولة المصرية نجحت فى تجفيف منابع الإرهاب، ولكنها تتخاذل عمدًا فى مواجهة ظاهرة التكاتك التى تعد واحدة من أسوأ المظاهر التى غزت الشارع المصري، والعنوان الأبرز للعشوائية. لا أحد يعرف سر هذا التخاذل المستمر حتى الآن. الدم المصرى واحد، لا فرق بين مَن يموت فى حادث سير، وبين مَن يُستشهد فى حادث إرهابي.

اختطاف العميد والفيلسوف!

الحكومة تتحمل الوزر فى كل حادث يُرتكب عبر التوك توك، بتهاونها وتخاذلها فى التصدى له وتكاسلها عن إصدار قرار مُلزم بمنعه تمامًا دون قيد أو شرط. الحكومة لم تعجز فقط عن منع التوك توك وما في مستواه من مركبات غير قانونية وغير مُرخصة، بل امتد العجز أيضًا إلى الفشل في وقف استيراده، خضوعًا لجماعات الضغط والمصالح. فى ظاهرة التوك توك..

الحديث عن البُعد الإنسانى رجسٌ من عمل الشيطان وخلطٌ للأوراق ومُقامرة مرفوضة ومكشوفة ولا تنطلي على أحد. الحكومة لم تُراعِ الأبعاد الإنسانية عندما قررت تنظيم البناء وانتفضت ضد العشوائيات وسعت إلى الحفاظ على ما تبقى من الرقعة الزراعية، وهدَّمتْ فى سبيل ذلك صوامعَ وبيعًا وصلواتٍ ومساجدَ يُذكرُ فيها اسمُ الله، وبيوتًا ومساكنَ يقطنها فقراء ومُعدَمون، ولم يعترض أحدٌ على تطبيق القانون وإنفاذه، وإصلاح أخطاء الماضى؛ باعتبار أن ذلك من مقتضيات الأمن القومي، كما إن الحكومة لم تراعِ الأبعاد الإنسانية فى رفع فواتير الكهرباء والغاز والمياه، وتجد في كل مرة مسوغًا جديدًا، حتى إنها أقنعت مواطنيها بأن الغلاء يصبّ دائمًا فى مصلحتهم..

ومن ثمَّ.. فإن التغافل عن بقاء أكثر من 3 ملايين توك توك ومركبات أخرى مشابهة مثل: التريسكلات وأشباهها، فى شوارع وميادين الجمهورية، بل وعلى الطريق الدائري والطرق السريعة أحيانًا، والتراجع أكثر من مرة عن منع تسييره، بدواعٍ إنسانية غير موجودة، جريمة متكاملة الأركان تقترفها حكومة الدكتور مصطفى مدبولي بحق عموم المصريين، مع سبق الإصرار والترصد، فضلاً عن أنها تخالف بذلك رغبة الرئيس في نقل مصر نقلة حضارية على جميع المستويات.

يوسفُ.. أعرضْ عن هذا

لا يمضي يوم دون اقتراف جريمة خطيرة، مثل: القتل والبلطجة والسرقة والاغتصاب وحوادث السير، ويكون التوك توك طرفًا فيها. ليتَ الدكتور مصطفى مدبولي يتوقف عن جولات السلاسل التجارية "المولات" معدومة الجدوى ومنزوعة الأهمية، ويولِّى وجهه شطر المناطق الشعبية، ويتجول بسيارته أو مُترجلاً وسط الشوارع والحارات والأزقة؛ ليرى بعينيه الخطر المستطير الذى يسببه التوك توك. رواد المولات لا يمثلون المصريين يا دكتور، اذهب أو كلف، إن كنت لا ترغب، مَن يذهب؛ ليرصد ويسجل ويصور بنفسه ويتلمس عن قرب سرطان التوك توك  الذى يزيد عدد ضحاياه كل عام على عدد مرضى الأورام الخبيثة.

يجب أن تخجل الحكومة من نفسها مع كل واقعة مؤسفة يكون التوك توك بطلاً فيها ولا تتعامى عنها، بل يجب أن تكون جادة فى إزاحة هذا الكابوس واستبداله بمركبات قانونية ومُرخصة وآدمية، يقودها أشخاص أسوياء، وليس أرباب السوابق ومُعتادى الإجرام. رد فعل الحكومة قد يختلف جذريًا لو تصادف أن يكون من بين ضحايا التوك توك مسؤولٌ كبيرٌ، أو أحدٌ من ذويه. 

تحركْ يا دكتور مصطفى مدبولي، وأعلن الحرب على التوك توك، واكتبْ لنفسك إنجازًا تذكرك الناس به، وتحفظ به دماءهم وأرواحهم وأعراضهم وأغراضهم. افعلها يا دكتور مصطفى مدبولي، وأعد إلى شوارع مصر وميادينها وطرقها استقرارها وهدوءها المفقود، وشرفها المسلوب.
الجريدة الرسمية