رئيس التحرير
عصام كامل

المواطن دايما مخالف!

وضعت الحكومة المواطن المصرى في قائمة المطلوب، وعلى المواطن الذي لا حول له ولا قوة أن يتابع عن كثب المهلة.. مهلة مد التصالح، ومهلة مد الملصق، ومهلة تطبيق الكمامة.. المواطن الذي خالف قواعد البناء لم تكن لديه أصلا قواعد متعارف عليها، فالدولة غابت لسنوات طويلة عن متابعة البناء وتطبيق قواعده المنسية..


وأيضا غابت فلم يكن لديها وازع من وقت أو مال لتبنى له وهو يختار، بل تركت الدولة المواطن يسافر إلى بلاد بعيدة وحلم عمره أن يبتني دارا له ولأسرته الجديدة..

وفتحت له أبوابا خلفية يدفع من خلالها الرشاوى، لتغض المحليات الطرف عنه وتتركه مقابل الدفع لموظف فاقد الضمير أو مسئول يبتاع القانون على ناصية الحاجة.

ابتنى المواطن بيتا على أرض زراعية ولم يرع التنظيم، فلم يترك شارعا أو مدخلا لسيارة إسعاف، أو سيارة مطافئ، أو يترك لنفسه مساحة لهواء يتنفسه فالمهم أن يصبح لديه بيت.

استفاقت الدولة فجأة وقررت التنظيم بأثر رجعى، وثمن التنظيم أن يدفع المواطن ثمن مخالفته، فإذا تساءلت: ماذا لو أن المواطن لم يخالف؟ وماذا لو أن المحليات شريفة و"طاهرة" ولا تتقاضى الرشاوى؟ النتيجة : نصف سكان مصر في العراء بلا بيوت!!

اليوم العالمي للأخوة الإنسانية

المهم الآن أن المواطن مخالف وعليه أن يقف في الطوابير ليدفع للدولة ما تقرره من غرامات حتى يصبح هذا المواطن صالحا فهل تغير البناء واتسعت الشوارع ؟.. بالطبع لا.. المواطن أصبح صالحا والبناء فاسدا، ولكن المهم أن يحظى هذا المواطن بشهادة صلاح!!

الملصق الإلكترونى هو الآخر حكاية الحكايات أيضا، حيث قررت الحكومة أن يكون على كل سيارة ملصق إلكتروني يتضمن بيانات السيارة ويمكنه متابعتها أينما ولت، وبدلا من أن يكون موعد تركيب الملصق هو موعد تجديد الترخيص فقد افتكست طريقة لوضع المواطن في خانة المخالف.. كيف يصبح المواطن مخالفا؟!

وضعت وزارة الداخلية مهلة لتركيب الملصق، ووقفت الجماهير في الطوابير للحصول عليه، ولما كانت مشاغل الناس وأكل عيشهم أولى بالرعاية والاهتمام لم تكف المدة الموضوعة لكل الناس فماذا تفعل الحكومة؟

قررت مد المهلة لشهور أخرى والناس في دهاليز المرور يتابعون ويقفون منتصبين للحصول على الملصق المبارك، وقد وقفوا وانتصبوا ولم تكفهم المدة فماذا فعلت وزارة الداخلية؟

قررت الوزارة بكرم حاتمى أن تمد المدة، وقد كان.. وأصحاب السيارات لا يزالون يقفون وينتصبون وأصبح السؤال المتبادل بين الناس: عندك ملصق؟.. والإجابة بين "نعم "سعيدة و"لا " قلقة وحزينة.

ورغم أن الزائر المزعج المسمى كورونا قد أتى منذ أكثر من عام ورغم قرار الالتزام بالكمامة إلا أن الحكومة وبعد مرور أكثر من عام قررت أن تتابع بجد وهمة ونشاط فكرة الالتزام بالكمامة، ونشرت قوات لشرطة الكمامة في الشوارع والميادين ومحطات النقل العام لمتابعة المواطن المخالف.

مد مهلة التصالح ضرورة ملحة

الحقيقة المدهشة أنك إن كنت مصريا إذن فانت مخالف.. مطاردة مثيرة بين الشعب وحكومته، فالمواطن دوما يبحث عن حلول تتجاهلها الحكومة فيسقط في قاع المخالفة، والحكومة التي تفرض رأيها بأثر رجعي تضع نفسها حكما والمواطن محكوما عليه.

ومن كرم الحكومة على شعبها فكرة بث البشرى، والبشرى هي المد، مد مهلة الدفع أو التقنين، تقنين ما كان مفروضا أن يكون مقننا فالمهم أن تظل تلك الدائرة تدور وتدور دون توقف، حكومة تمد ومواطن ينتظر، حكومة تجمع الأموال ومواطن يتمنى فقط تأخير القدر!!

وكما قال حكيم عصره وجهبذ زمانه نجيب الريحانى في دور أبو حلموس "شيء لزوم الشيء" فحتى تصبح الحكومة حكومة لابد لها من شعب تتحكم فيه، ووجود الشعب تحت مقصلة "المخالف" يمنح الحكومة وظيفة التحكم، وإذا كانت نظريات الحكم قديمها وحديثها قد خلق ليكون دور الحكومة خدميا فإن نظرية حكومتنا متفرد فهي خلقت للتحكم، وبالتالي فإنها لا تؤدى خدمات.. بل تترك المواطن يتصرف بطريقته وتسهل له ذلك بغض الطرف أو تقاضى الرشاوى، فخطتها أن يصبح المواطن في خانة المخالف حتى يصبح لها دور في الحياة.
الجريدة الرسمية