السبت 16 يناير 2021...3 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

"التاج" بين السخط والإعجاب

مقالات مختارة 388
يحق لمنصة نتفليكس الأميركية الرهان على مسلسل The Crown أو التاج، بوصفه أكبر إنتاجاتها والأعلى ميزانية، ورغم أن الموسم الرابع شهد تغييرا في الوجوه وسيطرة نسائية واضحة، وقوبل بانقسام في الآراء بين إعجاب جماهيري وسخط وغضب من العائلة المالكة، وتباين إعلامي حيال الوقائع، لكنه حظى بمشاهدة غير مسبوقة، جعلت الرهان في محله.                  اضافة اعلان


يمكن إيجاز مضمون مسلسل التاج، بأن الحلقات التاريخية حافلة بالتشويق، الخيانة، والمشكلات العائلية، في ظل تحمل عبء حكم إمبراطورية مترامية الأطراف. وتتسم حبكة التاج التي تتناول حياة الملكة اليزابيث وعائلتها، بسرد تاريخي ممتع وصراحة صادمة لم تخل من مزج الواقع بالخيال الدرامي.

بدأ الموسم الرابع بتولي مارجريت تاتشر رئاسة الوزراء، ويتابع فترة حكمها الممتدة لأكثر من 10 سنوات. كما يتناول حياة ولي العهد الأمير تشارلز وزوجته الأميرة ديانا، التي انتهت بالخيانة المتبادلة والطلاق، ليتوقف قبل مصرعها بقليل، إلى جانب الحياة  العاطفية لأفراد الأسرة أندرو ومارجريت والأميرة آن، وما فيها من خيانة وتعاسة.

عودة مؤامرات ثنائي الخراب

شهد الموسم الرابع تغييرا في تجسيد الأدوار الرئيسية، فتحل أوليفيا كولمان محل كلير فوي، التي لعبت دور الملكة في المواسم الثلاثة الأولى، ويحل توبياس مينزيس محل مات سميث في دور زوجها الأمير فيليب، وهيلينا بونهام كارتر محل فانيسا كيربي في دور أختها الأميرة مارغريت، كما تجسد جيليان أندرسون دور مارغريت تاتشر، وتؤدي الوجه الجديد إيما كورين شخصية الأميرة ديانا.
نالت السيطرة النسائية على أحداث الموسم الرابع الإعجاب، بداية من الملكة اليزابيث إلى مارجريت تاتشر، الأخت مارغريت، الابنة آن والأميرة ديانا، وفي المقابل تراجع التأثير الدرامي لشخصيات الرجال جميعا أمام عنفوان وهيمنة النساء على الأحداث.

تمتد أحداث الموسم الرابع من بداية الثمانينات لمدة عشر سنوات، وهي فترة عايشها الكثيرون، ولعلّ ذلك ما جعل الحلقات تحت الرصد الدقيق من قبل الجمهور، ورأى أن هناك وقائع مهمة عدة أغفلها المسلسل لصالح أخرى هامشية ما كان ينبغي التوقف عندها، حتى وان كان العمل نفذ ببذخ وفخامة معايير هوليوود لكنه في المقابل جسد الخيال كحقيقة، وأساء لبعض الشخصيات الملكية ربما لضرورة درامية، كأن جعل الأميرة ديانا في قمة البراءة وزوجها الأمير تشارلز في غاية القسوة وحبيبته كاميلا غير مناسبة للعائلة المالكة. 
نجحت الممثلة الواعد إيما كورين في تجسيد مبهر لشخصية الاميرة ديانا، نالت به إعجاب الجمهور والنقاد، وحتى الشخصيات التي كانت قريبة من الأميرة ديانا في الواقع رأوا أن كورين حققت إنجازا أقرب إلى واقع ديانا، زاد من شعبية ومحبة الأميرة الراحلة بين من لم يعايش واقع حياتها.

كمالا هاريس سوداء تدخل التاريخ

واضح أن منصة نتفليكس استغلت أن العائلة المالكة البريطانية لا تلجأ إلى القضاء في هكذا أمور، فأفسحت المجال للخيال الدرامي بإضافة أحداث مزيفة ممزوجة مع وقائع حقيقية من شأنها إلحاق ضرر بالغ بالعائلة المالكة، خصوصا أن جيل الشباب وهو أكثر مشاهدي نتفليكس، لم يعايش تلك المرحلة، وسيعتمد على ما يتلقاه من المسلسل باعتباره وقائع تاريخية وتوثيق لحياة العائلة المالكة البريطانية وهذا مجاف للحقيقة. 

لكن في ما يخص الملكة اليزابيث، فالتبجيل قائم لشخصها في الموسم الرابع، مع استمرارها في سياسة تعلمتها من جدتها بحيث تترك المشكلات تحل نفسها حتى تصل بالعائلة وبريطانيا إلى بر الأمان، بخلاف رئيسة الوزراء تاتشر التي تجابه وتتفاعل رغم سياستها المحافظة، وكشف التاج أن حادثة فقدان ابن مارجريت تاتشر في صحراء الجزائر عقب مشاركته في سباق للسيارات، تركت أثرا على عقلها وعلى قراراتها السياسية، فتسرعت بالتصعيد ضد الأرجنتين، وخاضت حرب "فوكلاند"، التي انتصرت فيها وزادت شعبيتها، لكنها خسرت بسبب السياسة نفسها فيما بعدت وتقاعدت سياسيا.

النجاح الكبير لمسلسل التاج "4"، لا ينفي وجود أخطاء فنية وأخرى تتعلق بالبناء الزمني للأحداث، لكنه يظل عملاً استثنائياً في تاريخ الدراما التلفزيونية التاريخية والمخاطرة بتناول سيرة وحياة عائلة ملكية كبيرة لم تزل تحكم وشخصيات على قيد الحياة، فضلا عن ضخامة الإنتاج وبراعة التنفيذ ودقة اختيار شخصيات الممثلين وروعة العناصر الفنية والتقنية التي أضفت مزيدا من الألق على العمل.