السبت 16 يناير 2021...3 جمادى الثانية 1442 الجريدة الورقية

"6 ساعات في حضرة الموت".. "فيتو" تحاور الطبيبة المرافقة لأول حالة وفاة مصرية بـ "كورونا"

منوعات
الدكتورة آية الحديدي

هبة الله سيد

مساء الخميس الماضي، سجلت وزارة الصحة المصرية أول حالة وفاة مصرية متأثرة بفيروس كورونا المستجد كوفيد-19، لسيدة من محافظة الدقهلية اسمها عطيات تبلغ من العمر 62 عاما، ربة منزل وجدة لعدد من الأحفاد، أكدت التحاليل أنها أصيبت نتيجة المخالطة المباشرة لحالة إيجابية مصابة بالفيروس، وتدهورت حالتها الصحية فور دخولها مستشفى الصدر بالمنصورة، وتم نقلها ليلة الأربعاء إلى مستشفى العزل بمحافظة مرسى مطروح.

اضافة اعلان

وخلال رحلتها من الدقهلية إلى مرسى مطروح والتى استغرقت 6 ساعات، رافقت حالة السيدة السبعينية الطبيبة الشابة آية الحديدي، التى تبرعت بمرافقة الحالة بعد تهرب عدد من الأطباء من تلك المهمة الثقيلة. 

 

تواصلت “فيتو” مع الطبيبة  الثلاثينية المرافقة لأول حالة وفاة لمصرية بفيروس كورونا، والتى تخضع الآن للعزل لمدة 14 يوما داخل مستشفى النجيلة بمرسى مطروح، والتى تشغل منصب رئيس العناية المركزة بمستشفى صدر بمدينة المنصورة منذ نحو عام ونصف، وتحدثت “الحديدي” عن كواليس الساعات الست التي قضتها رفقة أول حالة وفاة مصرية تسجلها وزارة الصحة بسبب فيروس كورونا كوفيد -19، والإجراءات التي تم اتخاذها عند دخول الحالة للمستشفى.

 

كانت الحياة تسير في مسارها الطبيعي والذي اعتادته الطبيبة الشابة أخصائية الصدر، سيدة متزوجة ولديها ابن في عامه التاسع، طبيبة دؤوبة ولديها شغفها الذي جعلها توازن بين العمل في المستشفى وتقديم دورات تدريبية لأطباء الامتياز بالمستشفى ذاته، حتى جاء الأسبوع الثاني من شهر مارس الجاري، حينما استيقظت آية من نومها واستعدت مع طفلها لاستقبال "باص" المدرسة في تمام الساعة السادسة والنصف، تأكدت من أن الابن في طريقه إلى المدرسة، لتذهب هي إلى المستشفى القريب من المنزل، أنهت جولتها اليومية على غرف العناية المركزة، وكذلك الدورة التدريبية التي استمرت لنحو 3 ساعات، ليأتيها خبر بوصول حالة لسيدة في العقد السابع من عمرها مصابة بالتهاب رئوي مزدوج ويلزم إدخالها العناية المركز في الحال.

 

 

كان التردد في تلك اللحظة هو المسيطر على المشهد، فالسيدة التي أتت رفقة ابنها وزوجته، ربة منزل بسيطة جدا ويبدو أنها لا تخرج ولا تخالط أحدا إلا بالكاد فكيف أصابتها عدوى الكورونا! لكن الشك ساور آية وطاقم الأطباء، فتم سحب عينة لها منذ دخولها صالة الاستقبال بالمستشفى، ثم سحب عينة أخرى من ابنها وزوجته، ولم تمر سوى 48 ساعة حتى ظهرت نتائج التحاليل تؤكد إيجابية إصابة السيدة بالفيروس: "كنا قبلها بنديها مضادات حيوية ومحتجزينها في غرفة معزولة، فور تأكدنا من إصابتها تم سحب عينة من طاقم الأطباء والتمريض والعاملين بالمستشفى وكذلك المرضى المخالطين للحالة".

 

 

 

كملوا جميلكم.. برلمانية تطالب الحكومة بتأجيل الدراسة شهرًا بسبب فيروس كورونا

انقضى اليوم الأول وما زالت آية تتابع الحالة لحظة بلحظة، شعرت أن الوضع غير مطمئن وحالة السيدة تسير من سيئ للأسوأ منه، ارتفعت درجة حرارتها أكثر وأصابها ضيق التنفس وازدادت آلام جسدها، "السيدة كانت سنها كبير ومصابة بالسكر يعني كانت نسبة تدهور الحالة كبيرة جدا وكنا عارفين إنه فيه احتمالية كبيرة إنها تموت".

 

مر اليوم الثاني لتدهور معه حالة السيدة أكثر فأكثر، ويدب القلق في صدر آية، يبدو أن الأمر ليس على ما يرام في مبنى مستشفى صدر المنصورة "قررنا إنها لازم تتنقل للعزل في مرسى مطروح، هي كانت على التنفس الصناعي ركبت لها أنبوبة في العينة، وجهزتها للتحرك إلى مستشفى العزل وكان عندنا أمل حالتها تستقر أكثر هناك، لكن للأسف حالتها كانت صعبة جدا".

في تمام الثانية والنصف من ظهر الأربعاء الماضي، شحذت آية الهمة وارتدت البدلة الوقائية الصفراء والنظارة العازلة والماسك، استعدادا لاصطحاب السيدة عطيات إلى مستشفى العزل في سيارة الإسعاف المجهزة، "وقتها مكنتش بفكر في حاجة لا عدوى ولا غيره، كنت بفكر إنه الست دي حياتها أمانة في إيدي وأي طبيب مكاني كان هيعمل ده".

 

صعدت آية وحدها سيارة الإسعاف رفقة المسعف والسائق، كانت سيارتا شرطة تؤمنان الطريق من المستشفى بالمنصورة إلى مستشفى العزل حتى لا يعوق شيء حركة سيارة الإسعاف، السيدة تحت جهاز التنفس الصناعي، وآية تنظر إليها بين الحين والآخر من خلف العدسات السميكة: "فضلت معاها حوالي 6 ساعات كنت بتابع حالتها أثناء الرحلة، وكانت السيارة مجهزة علشان تقيس النبض والضغط ونسبة الأكسجين وغير ذلك وكانت العربية مجهزة وكنت ملاحظة إن حالتها مستقرة والأكسجين كويس لكن كانت معرضة إنه خلال الساعات المقبلة هتدهور أكتر ولو مكنتش عندها كورونا كات هتموت برضو".

وصلت المريضة مستشفى العزل وكانت حالتها مستقرة بعض الشيء، لكن القلق ظل يساور آية، فعمر السيدة وإصابتها بمرض السكري ونبضات القلب التي تلاشت قوتها شيئا فشيئا، وخبرات آية السابقة في التعامل مع مصابي الالتهاب الرئوي الحاد، جعلها على يقين أن الأمر ربما يحتاج لساعات فقط وسيتم لا محالة إعلان وفاة السيدة، "أنا مكنتش خايفة من شيء إحنا طول عمرنا بنتعامل مع الالتهاب الرئوي طبيعي ومتعودين على ده، وهي كان لازم تتنقل وأخذت الاحتياطات بتاعتي ولبست البدلة الوقائية، لكن كان كل همي أحاول أنقذ حياتها".

توفيت السيدة عطيات وصعدت روحها إلى بارئها وظل "شرف المحاولة" التاج الذي وضعته وزارة الصحة من خلال وكيلها في محافظة الدقهلية على رأس الدكتورة آية الحديدي، لتعلن تكريمها على بذل قصارى جهدها أثناء مرافقة أول حالة وفاة لمصرية مصابة بالكورونا من المنصورة إلى مستشفى العزل.