رئيس التحرير
عصام كامل

الهيروين على النواصي!

هل للمزاج ارتباط بشكل الحكم فى الدولة؟ بعض الخبثاء يربطون بين نوع المخدر الأكثر انتشارا ونظام الحكم، فى حين يرى الطب أن الأمر يختلف حسب تطور العلوم الطبية، حيث يكون الاستخدام الأصلى لنوع المخدر، ثم يحيد عن الطريق، ومن ثَمَّ يصبح ممنوعا بحكم القانون.. مع نهاية ستينيات القرن الماضى انتشر الحشيش في مصر بشكل يطغى على جميع أنواع المزاج والكيف، واستمر فى فعاليته الشعبية وانتشاره إلى نهاية الثمانينيات عندما ظهر الكوكايين والهيروين باعتبارهما الأكثر خطرا على صحة الإنسان.


فى منتصف التسعينيات عاد بعد اختفاء لمدة طويلة مخدر الترامادول الذى اكتشف فى ألمانيا، ورُوج له باعتباره مسكنا قويًّا للألم.. تحول الترامادول إلى مخدر شعبى فى مصر بشكل رهيب. منذ سنوات قليلة اختفى الترامادول، وعاد مرة أخرى الهيروين الذى كان يباع قديما بأسعار باهظة لأبناء الذوات.. أصبح شعبيا الآن وفى متناول الصبية بالقرى والنجوع وحوارى المناطق العشوائية.

الهيروين الآن هو المخدر الأكثر شعبية، ولا يتم تعاطيه عبر الأنف كما كان قديما.. أصبح حقنة فى الوريد يحقنها المدمن لنفسه، ولا يستغنى عنها لدرجة أن بعض الصبية والشباب يتعاطونه ثلاث جرعات يومية.. جرعة الهيروين لا يتعدى سعرها خمسين جنيها، وهى تمثل الآن عصب اقتصاد تجار المخدرات، وتنتشر بشكل مخيف على نواصى الشوارع والحوارى في المناطق الشعبية المكتظة بالسكان.

هيروين فى التكاتك
اختفى الترامادول، وحل محله الهيروين بكل ما يحمل من أخطار تُحوِّل الشاب إلى مجرد هيكل عظمى بعد إدمانه لشهور قليلة، والإقلاع عنه يكلف الدولة الكثير.. يتحول المدمن إلى شخص انطوائى غير قادر على التعاطى مع مجتمعه، ويصبح عالة على المجتمع، ويمر بمراحل أخطرها عندما يتحول إلى لص يبحث عن ثمن التذكرة التى سيحقن نفسه بها.

تجار الهيروين الجدد يجدون فى "التكاتك" ملاذا آمنا للتوزيع والهروب ونشر التجارة المحرمة بين الشباب، يتقاطع فى ذلك أبناء الطبقة الشعبية مع أبناء الطبقة الراقية.. والمدمنون الجدد لا يجدون صعوبة فى الحصول على بضاعتهم المفضلة رغم جهود وزارة الداخلية فى هذا المجال، لا يزال الأمر معقدا وبحاجة إلى خطة شاملة، فمن قضى على الترامادول يستطيع أن يقضى على الهيروين.

ولندرة وجود الحشيش والأفيون فإن أسعارهما ارتفعت بشكل كبير؛ لأن الدولة كانت صادقة فى إعلان الحرب على هذه الأنواع، وهو ما جعل التجار يهربون إلى الهيروين لسهولة تهريبه وإخفائه، اضف إلى ذلك أن كمية صغيرة منه تكفى لإغراق منطقة بأكملها بالمخدر اللعين.

يتذكر المصريون واقعة أكثر دلالة على معارك الدولة على المخدرات عندما تولى وزارة الداخلية وزير همام وقوى وقادر أعلن أنه سيقضى على تجارة الحشيش، وقد كان، فماذا كان مصيره؟

الحرب على أباطرة الكيف
اللواء أحمد رشدى فوجئ ومعه الشعب المصرى، وبينما كنا جميعا فى نشوة النصر على أباطرة الحشيش بأحداث كانت غريبة ومدهشة وشاذة، عندما تمكن تجار «الكيف» ساعتها من نشر شائعة بين جنود الأمن المركزى بأن الدولة تسعى لزيادة عدد سنوات الخدمة فى الشرطة.. قامت الدنيا ولم تقعد، وانطلقت أحداث العنف بشارع الهرم، حيث انتشرت الحرائق والدمار.. ساعتها استقال وزير الداخلية، ولكنه ظل أيقونة فى تاريخ حرب المصريين على أباطرة الكيف.

الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية من جراء انتشار المخدرات تتحملها الدولة والأسرة المصرية بتكاليف باهظة على أخلاق المجتمع واقتصاد الأسرة والدولة.. الآن ومن واقع مشاهدة قريبة تحاول الدولة المصرية خلق نوافذ أمل جديدة للمدمنين وعلاجهم وإعادة تأهيلهم ودمجهم فى المجتمع مرة أخرى، غير أن الوقاية خير من العلاج.

والوقاية من المخدرات لا تستطيع أن تقوم بها وزارة الداخلية وحدها.. المجتمع بكل فئاته، والحكومة بكل وزاراتها مع توفر إرادة الدولة يمكنهم جميعا القيام بدور.. انتشار كمائن الشرطة فى مناطق الخطر أصبح ضرورة، ووضع رقم هاتف للإبلاغ عن التجارة المحرمة مع استخدام وسائل الاتصال الأحدث، خصوصا وسائل التواصل الاجتماعي، تستطيع القيام بدور فعال فى القضاء على توفر المنتج أمام الشباب.

أتصور أن الكيف الجديد والمنتشر الآن أصبح خطرا يهدد الدولة، كل الدولة، ولا بد من تضافر جميع الجهود للقضاء عليه.
الجريدة الرسمية