رئيس التحرير
عصام كامل

احذروا هذا العفن

تتيح لك الكتابة الربط بين عوالم مختلفة ومتابعدة فى الزماكان، ولكنها قريبة بل ومتلاصقة لأنها ترتبط بعنصر واحد أساسى فى هذا الكون وهو الإنسان، فما يحدث هذه الأيام من اضطرابات فى مينا بوليس بأمريكا لا ينفصل عن أماكن أخرى في العالم الثالث الذي ننتمي نحن أيضا له.

 

فمنذ بضعة أيام انتهى شهر رمضان المعظم، وانتهت معه حلقات من السخف الدرامى والبرامجي المعتاد، والذى دوما يشغل الرأى العام فى مصر سنويا ولكن لا يتوقف الكثيرون عن متابعته إدمانا أو اعتيادا أو فراغا، فهذا يتحدث عن قبح المحتوى وذاك ينشغل بتفاهة الموضع وآخر ينشغل كثيرا بالعرى المصاحب للمشاهد و لكنهم يواصلون متابعته بكل اندهاش ونقد متجدد!

 

اقرأ أيضا: زماكان حواري مصر

 

ولكن هذا العام تبلور وعي جديد يستحق الإشادة والتقدير من أصحابه، ألا وهو الوعى الخاص بالجرم الإعلانى المصاحب لعرض تلك البرامج، وصانع الدعاية يعلم جيدا أنه كلما كان فجا ومستهينا بالقيم، كلما أحدث ضجيجا وترويجا بشكل غير مباشر لسلعته.. وتلك هى إحدى سمات الرأسمالية الوقحة التى لا تعترف بقيمة فى هذا العالم سوى بقيمة المال!

 

والمثير للاهتمام والتفكر إن إعلان واحد فقط عن الملابس الداخلية قد أثار اهتماما بالغا من الجميع تقريبا لأنهم شاهدوا إسفافا وانحلالا وتعديا على القيم عندهم، رغم أن الكثير من البرامج والأعمال شبه الدرامية التى تلى الإعلان لا تقل عنه إسفافا و قتلا للقيم والأخلاقيات، ولكن اتفق الجميع على بذاءة الإعلان ووصل الأمر للسادة أعضاء المجلس النيابى الموقر فى البرلمان، والذين عبروا عن جد انزعاجهم من هذا التقزز المعلن يوميا وبعد الإفطار مباشرة، وبعدما صاموا عن الكثير والكثير.. لا يصح طبعا !

 

اقرأ أيضا: روائع الخيانة في السينما المصرية (3)

 

لكن نفس السادة الثائرين على هذا الإعلان المذكور والذى كانت تتغنى فيه إحدى الممثلات بالملابس الداخلية لجارها المحبوب، رجعوا بالسلامة والصمت الرهيب مرة أخرى للصيام عن إعلان أخطر منه بكثير ويمثل تهديدا أمنيا للمجتمع والدولة، ناهيك عن سقوطه الأخلاقى، فالإعلان كان يتحدث بكل عنصرية وتعال عن مدينة الأثرياء، أو قل إحدى مدن باشاوات السبعينات فما بعد.

 

سادة عصور ما بعد تحول مصر اقتصاديا منذ عهد الرئيس المؤمن الراحل السادات، سادة المال والنفوذ، وما يتبعه من أشياء لزوم أشياء، تلك الطبقة التى جمعت ملايين لا تحصى ثم وجدت ضالتها فى مدن مختبئة وراء أسوار عالية تحميها من عنصريتها وطبقيتها المقيته، طبقية تخشى على نفسها وعلى مكتسباتها المرتاب فى مصادرها، من أبناء الوطن المكافحين من الفقراء ومتوسطى الدخل ومعدوميه أيضا!

 

هذا الإعلان البذىء المزرى والطبقى والعنصرى البغيض كان أولى بالتوقف عنده من السادة النواب وآخرين يحملون لواء المسؤولية، ولكنهم صمتوا عنه وتركوا السخرية المعتادة من نشطاء التواصل الإجتماعى لتقوم بدورهم النيابى بالنيابة عنهم هذه المرة..

 

اقرأ أيضا: وراء كل مهرجان.. انكسار (1)

 

ولقد سبق هذا الإعلان قبل رمضان إعلان آخر أكثر بذاءة بطله نجم سينمائى شهير من أصحاب الملايين أيضا، الإعلان يتحدث عن عائلتين تتباهى كل واحدة منهما بنفوذها وأموالها ومناصب أفرادها وسلطتهما، بل إنه يستهزئ بالتعليم المصرى، فالسيد وكيل النيابة فى إحدى العائلات خريج جامعة مصرية يا حرام، فيجد نسيبه المتعجرف المتنطع يرد بأن قريبه أخذ شهادة الحقوق من بلد أوروبية.

 

لهذا الحد وصل بنا هذا السخف الطبقي و العنصرى للسخرية من كل شىء مصرى حتى وإن كان في منصب قضائى، رغم أن العائلة الأولى تفتخر بأن رجل القضاء عندها سيساعدها في إلغاء مخالفة..

 

أى تعد على القانون بالمحسوبية، ورغم ذلك لم نر أى مساءلة للشركة منتجة الإعلان ولا أبطاله الذين أساءوا لهيبة القضاء وأساءوا قبل ذلك لجميع المصريين بطبقيتهم وعنصريتهم العفنة.. فقط ينتهى الإعلان بالموافقة على إعلان الخطبة والزيجة الطبقية العنصرية المباركة !

 

اقرأ أيضا: ابن البيضا!

 

واليوم ربما لا يرى المسؤولون غضاضة في إذاعة هذا السفه الطبقى البغيض والذى ينحدر بنا لأغوار سحيقة من العنصرية التى تهدم الدول وتقوض الروابط الوثيقة للأمم، ولعل ما يحدث اليوم فى مدينة مينا بوليس الأمريكية لا يبتعد كثيرا فى طبيعته عن التقزز الإعلانى والاقتصادى الذى يروج للطبقية التى تفضى بلا أدنى شك لعنصرية تأتى على الأخضر واليابس.

 

ولم تبتعتد كثيرا عن عنصرية نظام بريتوريا فى جنوب أفريقيا فى أواخر القرن الماضى، فالإنسان واحد، خلقه الله ليكرمه ويمنحه الحرية والمساواة فى كل زمان ومكان لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالعمل الصالح المفيد للمجتمع، وليس بالتعالى المادى الطبقى الذى يستند لنفوذ أو عنصر أو لون أو دين أو جنس.. احذروا هذا العفن، فلابد للمكبوت من فيضان ولنحذر جميعا هذا الفيضان.

fotuheng@gmail.com

 

الجريدة الرسمية