رئيس التحرير
عصام كامل

حمدي المراكبي! (2)

توقفنا أمس عند حياة عم حمدى التى لم تكن عادية كسائر المراكبية وحبه للهدهد وقوله إن بلادنا لا تحتاج لأجساد البغال بقدر حاجتها إلى قلب الهدهد ونكمل:

لم أعاصره وقت أن كان شابا فقد أخبرني أبى بأنه كان ضحوكا خفيف الظل حمالاً لانفعالات البشر.. وكان يتقاضى أجرته فى مواسم الحصاد.. كيلة من حبوب القمح أو الذرة أو السمسم أو الفول السوداني.. وحين كانت تعرض عليه النقود.. يقول لست مدمنا لعد الفلوس لكن تستهويني رائحتها!

 

كان عم حمدى يعانى من بياض فى عينه اليمنى.. وكانت لا تنقطع نظراته الى الجهة الشرقية من النهر.. وحين تصادف عينه منطقة بعينها تتساقط دموعه فى صمت..

 

سألت أبى حينها عن السبب ، فأخبرنى بأنه ذات يوم وقبل غروب الشمس بقليل كان عم حمدى  يسير بمركبه الصغير فى النهر.. وإذا بأطفال القرية يصيحون بصوت مرتفع "يا جثة حَلِت الدفنّة".. وما إن سمع عم حمدى صوت الأطفال حتى أسرع بمركبه إلى الشاطئ الشرقى وأخذ يلوح بذراعه ويقول: "يا جثة حلت الدفنَة".. وإذا بالجثة ترفع يدها وتتجه إلى حيث يقف عم حمدي..

 

اقرأ أيضا: مقام الحاج بلاش

 

وعندما اقتربت منه الجثة أدرك عم حمدى أنها جثة لأنثى وليست لذكر.. فعادة ما كانت تأتى جثث النساء منكفئة على الوجه بعكس جثث الذكور!

 

وما إن اقتربت الجثة منه أمسك بها المراكبي وحملها بمعاونة بعض الحضور.. وذهبوا بها إلى تبةٍ رملية عالية ملاصقة لشاطئ النهر.. وأخذوا يحفرون لها قبراً.. ولما وضعوها فى القبر.. صادفت عورتها عيني عم حمدي.. وبشكل غير شعوري وجد نفسه يقول "والله لو كنت حافظتي على هذا – يقصد العرض– ما كان قد فعل بكي هكذا.. وإذا بالجثة ترفع يدها وتصفعه على وجهه؛ فتبيض عينه فى الحال"!

 

لقد فقد عم حمدي عينه اليمنى وفقد معا صفات عديدة.. أولها الضحكة التى كانت لا تفارق وجهه البشوش.. فتحول الرجل الضاحك إلى كائن غريب يسكن الحزن كل ملامحه.. كان يقول كيف أضحك وعرض البريئة يقف على الطريق، ليحول بينى وبين نفسى.. كيف ألقى ربي وعرضها يشدني بقوة إلى الجحيم.. يا ليتها تكتفى بعيني عند القصاص.. يا ليتها تكتفى بالبدن وتعفو عن الروح!

 

اقرأ أيضا: الفقير.. المواطن البهلوان!

 

لقد كنت أطلق لساني فى أعراض الناس كما كانت تطلق مركبي صاريها فى الفضاء.. لم أخف يوما من عقوبات البشر؛ فعاقبتني جثة هامدة.. لتعلن بقوة عن براءة عرضها من دنس البشر.. وتخبرني فى وجع بأن القبور كالسجون مليئة بالمظاليم!

 

لقد أخذت الغريقة معها كل ما فِيِ.. وتركت بداخلي قلب يتوجع.. لا أعلم متى اللقاء ولا أعلم متى ينتهى الجحيم الذى أسكن فيه أو الذى يسكنني!

 

فويل لمن أطلق لجوارحه العنان.. وويل لمن جعل حياته رهن هواه.. موجع أن تزرع الأمل فى أرض الغير.. والأرض التى بداخلك بور.. لن يثمر زرعا زرعته حولك.. والزرع الذى بداخلك عقيم..

 

 اقرأ أيضا: الفقير.. المواطن البهلوان! (2)

 

كنت أتخيل أنا بداخلي قلب هدهد، لا تهزمه شدائد الرجال.. فكسرتني جثة أنثى.. حين خاض فى عرضها لساني بلا وعي.. سلبتني الاحساس بكل متع الحياة.. ويا ليتها تكتفى!

 

كبر العمر وشاب الشاب اليافع الذى بداخلي.. ترهلت إرادتي وتضخم الجسد النحيل.. ثقلت قدمي على الأرض.. اقترب البدن من القبر.. وأخشى لحظات اللقاء كما أخشى عليكم حمل جثة أثقلها الخوض أعراض البشر.. وأخذ يقول بعاميته الصعيدية البسيطة:

حجر الطاحون بيدور.. يا قلبي ناره فى حشايا

ساعة بيطحن ظلم.. وساعات بيدهس برايا

يلى ناويت ع الظلم.. أُحكم وخُد بالنوايا

وان كنت قادر على الظلم.. ارحم قلوب الصبايا

 

لقد كانت  كل حكايايا التى أطالعكم بها من وحى الخيال.. كنت أُصدقها حتى أُمتعكم بها.. لكن حكايتي الوحيدة الصادقة كانت مؤلمة.. فعادة ما يكون الواقع أسوأ بكثيرٍ من الخيال.. كنت اختبأ دائما خلف حكاياتي.. لأشاهدكم من بعد.. وأرى الذى لا استطيع أن أراه فيكم وأنا بينكم.. أفتش فى ملامحكم عن نفسى.. لعلي أجدها.. أو أجدكم فيها..

 

اقرأ أيضا: محمد والمسيح

 

إذا ما مِتُ ادفنوني بالقرب من قبر القلم الذى صفعني على الخد.. ادفنوني بجوار الغريقة البريئة التى حين أنقذت جثتها من الغرق أنقذتني من وهم الدنيا.. ادفنوني بجوار القبر الذى يفوح بعطر الطهارة والشرف؛ لعل يصيبني بعض من نسائمه..

 

ومات "حمدي المراكبي" ونفذ الجميع وصيته وعلى صدره سلسلة من الفضة مكتوب عليها "عرض الغرقانة"!

Sopicce2@yahoo.com

الجريدة الرسمية