رئيس التحرير
عصام كامل

السودان.. هل يستوعب الدرس؟!

قبل أيام، أصابت تصريحات للسفير السوداني لدى أديس أبابا مختار بلال عبد السلام، الشارع المصري، وبعض مسئولي الحكومة بصدمة.

 

انطلقت تصريحات السفير السوداني من الإشادة بدور إثيوبيا في الثورة ضد نظام البشير، مؤكدًا أن السودان ممتن لدعم إثيوبيا الحقيقي، قائلاً: "كان لإثيوبيا دور لدعم إعادة السلام في بلدنا".. وإن "السودان في حاجة حقيقية إلى صديق حقيقي. ومن جاء وساعد السودان؟! رئيس وزراء إثيوبيا الدكتور آبي أحمد... كما تعلمون، فإن شعب السودان، لديه الكثير من التقدير والثقة في إثيوبيا".

كان هذا هو الاتجاه السائد في السودان.. الذي التفتت قياداته بكليتها نحو الجنوب، في اتجاه إثيوبيا.. مانحة مصر ظهرها!! الخرطوم ألقت بكل أوراقها في كف أديس أبابا، وأعطتها الحق في إدارة دفة التحول السياسي!!.

اقرأ أيضًا: سر الانقلاب !!

 

ومن قبيل التطوع والخدمات المجانية، كرد للجميل، تحفظ السودان على قرار وزراء الخارجية العرب، بالتضامن مع مصر في ملف "سد النهضة".

النتيجة كانت مروعة.. تدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.. بوادر انشقاق في الجبهة الداخلية، من أبرز مظاهره إضراب القضاة؛ بعد اعتداء ضباط من الجيش بالضرب المبرح على قاضي الفاو بولاية القضارف.  

رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك، ملَّ انتظار الدعم المادي الذي كان يأمله من دول مثل قطر وتركيا، وغيرها، ممن فضل الارتماء في أحضانها مبكرًا، وأغضب القاهرة من أجلها، لكن آماله خابت.. فاضطر لإطلاق مبادرة أسماها "القومة للسودان.. الحملة الشعبية للبناء والتعمير"، داعيا شعبه إلى التبرع الجماعي لمساعدة الحكومة في مواجهة الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها، في ظل الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يضرب البلاد.

ولا شك أن حمدوك بطرحه تلك المبادرة كان يطمح إلى تكرار النجاح الذي حققه الرئيس عبد الفتاح السيسي في تمويل مشروع حفر قناة السويس الجديدة بدعم شعبي جاوز 64 مليار جنيه خلال أيام قليلة.

اقرأ أيضًا: مرة واحد صعيدي...!!

 

ورغم الزخم الذي صاحب المبادرة في البداية إلا أن الإستجابة لها لم تكن على المستوى المطلوب؛ لدرجة أن بعض الأقلام هاجمت حمدوك ومبادرته.. وأطلقت في المقابل هاشتاجات مثل "#لا_تتبرعوا_ لحمدوك"، طالبت بطرح برامج على أساس علمي.. وتساءلت: الإمداد الكهربائي أين؟ وما هي الاحتياجات؟ وكم تبلغ التكلفة؟!

 

وأضافت: "لا توجد حكومة محترمة تقول للناس تبرعوا لتحسين الإمداد الكهربائي وتوفير الأدوية المنقذة للحياة وتحسين البنى التحتية والاستعداد للخريف؟".

ثم كانت الكارثة الأشد وطأة.. الغزو الإثيوبي لمناطق واسعة في الجنوب السوداني.

حيث توغل الجيش الإثيوبى فى منطقة شرق سندس بالفشقة الصغرى، فى مساحة تقدر بـ 55 ألف فدان وهي تضم مشاريع زراعية تخص مزارعين سودانيين بالقضارف.

 

اقرأ أيضًا: السودان.. لماذا يدعم إثيوبيا ضد مصر؟!

 

وهذه المنطقة ساحة نزاع قديم متجدد.. وجاء التوغل الإثيوبى إثر انتشار الجيش السودانى على محطاته العسكرية، والتى كان يتواجد فيها قبل 25 سنة، وتم سحبه خلال حروب دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق.. وهى محطات عسكرية داخل الحد الشرقى للسودان. ورد الإثيوبيون بدخول جيشهم لمنطقة سندس، لأنهم يدركون أن انتشار الجيش السودانى سيمنع مزارعيهم من الزراعة هذا الموسم والذى تبدأ له الاستعدادات هذه الأيام.

المنطقة التى توغل فيها الجيش الإثيوبى سودانية بالكامل ومن أخصب المناطق الزراعية ويمتلكها مزارعون سودانيون.. حيث استغل الإثيوبيون طيلة السنوات الثلاثين الماضية انسحاب الجيش السودانى.. وقامت عصابات الشفتا والميليشيات القبلية المسلحة بطرد وقتل المزارعين السودانيين وعمالهم، والاستيلاء على معداتهم الزراعية لكى يستولى على الأراضى مزارعون إثيوبيون.

اقرأ أيضًا: الفرق الرياضية وأزمة سد النهضة

سارع الفريق البرهان يرافقه هيئة ضباط العمليات ومدير الاستخبارات العسكرية إلى دوكة، والاجتماع مع قيادة الفرقة الثانية مشاة، وشدد على أن القوات المسلحة السودانية لن تتراجع عن حماية حدود البلاد، كما أنها لن تسمح بالتعدي على الأراضي السودانية.

ومنطقة الفشقة محاطة بالأنهار بالنسبة للأراضي السودانية من كل الجوانب باستثناء خط الحدود المشترك مع أثيوبيا، الأمر الذي يحتم عليها العزلة التامة عن الأراضي السودانية المتاخمة لها، خلال موسم فيضان هذه الأنهار، فضلًا عن كونها تتميز بهطول الأمطار الغزيرة في فصل الخريف.. وبهذا تمثل إغراء للإثيوبيين للاعتداء عليها متى ما شاءوا إذ لا يقف أمامهم أي مانع أو عازل يحول بينهم وبين الاستفادة من هذه الأراضي الخصبة، فهي أراض متاخمة تمامًا للأراضي الإثيوبية.

كذلك تتميز منطقة الفشقة بجانب خصوبتها الزراعية، بإنتاجها الكثيف للسمسم والذرة والقطن قصير التيلة بجانب الصمغ العربي والخضراوات والفواكه على ضفاف الأنهار الثلاثة؛ عطبرة.. ستيت.. باسلام.

 

هذه المنطقة تنشط فيها عصابات الشفتة الإثيوبية للسيطرة على أراضى المزراعين السودانيين بعد طرد السكان منها بقوة السلاح. 

آبي أحمد الذي دعمت “جهات معروفة” منحه جائزة نوبل للسلام، العام الماضي، لمجرد أنه تحرك لإبرام اتفاق مع الصومال، ظاهره إحلال السلام بين الجارتين المتحاربتين، وهدفه الحقيقي فتح منفذ على البحر لدولته الحبيسة.. لم يتورع عن الزج بجيشه في أتون صراع مسلح جديد مع الجارة التي كانت بالأمس القريب داعمة له في أزمة "سد النهضة"!!  

 

اقرأ أيضًا: حرب الراديو في أفريقيا

 

مصر، رغم انشغالها بإعادة ترتيب البيت من الداخل، وتنفيذ خطط مكافحة "كورونا".. ومواجهة الإرهاب، وترميم العلاقات الخارجية، وكشف حملات التشكيك الرهيبة التي تتعرض لها.. إلا أنها لم تفكر لحظة في دعم الشقيقة المارقة.. هذا قَدَرُها، على مر التاريخ.. تتلقى الإساءات وتلتمس الأعذار دومًا، ولا تتأخر عن مد يد العون.

طار الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري، يرافقه وفد أمنى رفيع المستوى إلى الخرطوم.. وتم إجراء مباحثات مع رئيس الوزراء ووزير الري السودانيين.. كان بديهيًّا أن يذكر بيان إعلام مجلس الوزراء السوداني أن المباحثات تركزت على "سد النهضة".. حيث أعلن الجانبان عن "التمسك بمرجعية مسار واشنطن الخاص بقواعد الملء والتشغيل لسد النهضة، وما تم التوافق عليه في هذا المسار وإعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في العام 2015".

 

وحسب البيان، ناقش الطرفان ترتيبات الزيارة المرتقبة لحمدوك إلى القاهرة وأديس أبابا، لحثهما على استئناف المفاوضات حول سد النهضة. المواجهة العسكرية، لو حدثت هذه المرة، بين أديس أبابا والخرطوم ستخلق نزاعًا حدوديًّا لن ينتهي بسهولة.

 

وهكذا تثبت الأحداث أن السودان لا غنى لها عن مصر.. مصر الحاضرة في كل الأزمات والمشكلات.. والسند، والظهر الذي يحمي الأشقاء من الأطماع الخارجية، والمؤامرات الدولية.. وعلى صناع القرار في السودان أن يعوا الدرس جيدًا. 

الجريدة الرسمية