الخميس 28 مايو 2020
رئيس التحرير
عصام كامل
خناقات عائلية.. عودة إنسان الغابة

خناقات عائلية.. عودة إنسان الغابة

ما بين الخوف والاستهتار، القلق واللامبالاة، العلم والتجاهل، وغالبا الجهل، تعيش معظم بيوت المصريين هذه الأيام. وقد لا أبالغ إن قلت إن هذه الحال المتناقضة هى ما يعيشه مليارات البشر المحبوسين قيد الإقامة الجبرية الوبائية.



 

نعيش فى كابوس. كابوس منذ ثلاثة أشهر تشتد وطأته علينا منذ أواخر مارس لينذر قوما لاهين! كل البيوت تقريبا تحولت إلى ساحات قتال. ليس بالضرورة قتالا بالأيدى، تلك مرحلة نتمنى ألا نبلغها، وألا تكون في بيوتنا..

 

بل قتال بالعصبية وبالصوت العالى والموجة الهيستيرية تعصف بالوجوه. أكثر الناس قلقا الآباء والأمهات. هذا طبيعي بحكم أنهم طعام الفيروس المفضل. هم هدفه. هم ضحاياه. أكثر الناس استهتارا ولامبالاة هم الأبناء من الشباب ومن الشابات..

 

اقرأ أيضاً: كورونا ينقذ الدولة الوطنية !

 

يخرج الشاب ويغيب وعند عودته ينظر إليه الأب يراجع طقوس النظافة. نظرات الأب والأم فيها قلق، يعتبران الابن العائد قنبلة موت موقوتة، وأن رحلة العزل وجهاز التنفس قد تكون بلا عودة. تمتلئ صدور كل الآباء والأمهات بهذه الصورة المرعبة، لكنها أبعد ما تكون عن ذهن واهتمام الشاب.

 

يلمح الأب دخول الولد إلي البيت ولا يغسل يديه ولا وجهه ولا قدميه، ولا ترك شبشبه أو حذاءه خارج الشقة. ينفخ الرجل لأنه نبه الولد مئات المرات. صرخ فيه هذه المرة كما صرخ من قبل مئات المرات. مستنطعا.. متباطئا.. يضع الولد يده على الصابونة سريعا ويسحبها ثم.. يمررها تحت الماء قليلا وينفضها.. يكتشف أن أباه واقف بباب الحمام يتابع.. ينفخ الشاب. يتزهقن.

 

اقرأ أيضاً: صورة طبق الأصل.. الوسواس القهرى

 

يصرخ: أنت بتراقبني. محبش حد يراقبني.

ويرد الأب: ومحبش ابنى يقتلنى!

ويعاود الشاب: أقتلك؟ لا أنت بتأفور قوي يا بابا!

هذا حوار كل يوم ومحنة كل يوم.. محنة بلد.. يعتمد على الوعى.. فإذا الوعى غائب. تقدير درجة الخوف، بل الاعتراف بالتشخيص أساسا هو سبب كل المشاحنات تحت أسقف البيوت. من الأخبار العجيبة خبر طالعته أمس على شبكة CNN.

 

وهو أن علماء الزلازل لاحظوا أن قشرة الكرة الأرضية، سطح الأرض الذي نمشي عليه ونجري بالسيارات وعلى الأقدام.. أصبح أقل اهتزازا. لم تعد الأرض تهتز تحت الأقدام والعجلات كما نشعر عادة حين تمر بجوارنا تريلات ديناصورية. سطح الكرة الأرضية يهدأ.. والبيوت تشتعل بالمعارك..

الشوارع المكتظة بالبشر والمركبات والضوضاء، والطرق الدائرية المختنقة بالذاهبين والعائدين... محشورين داخل سياراتهم أو يتسابقون بها فيما بينهم، قاتلين أو مقتولين أو مرتعبين.. كل ذلك اختفى.. كل هؤلاء دخلوا كهوفهم.. امتلأت البيوت بهم. الأرض خالية تماما إلا من بيوت تشغى بسكانها.

 

اقرأ أيضاً: شيء من الكرامة.. أخيرا

 

ولأن القتال والرغبة فى الاشتباك غريزة، والظرف الكارثي الحالى ظرف اختيار طبيعي، فإن روح الغابة هى السائدة الآن في بيوتنا. أجهزة التكييف.. والشاشات السمارت والصالونات والديكورات واللوحات.. لن تلفت انتباه إنسان الغابة الموجود وسطها. بالنسبة له.. تلك كلها مظاهر عدم.

 

الخطوة التالية هى إطلاق الوحش المكبوت بفعل آلاف السنين من التهذيب والضبط الاجتماعى تحت عنوان التحضر. ستقع مجزرة الانتقاء الطبيعي. البقاء للأصلح. ولن نذهب بعيدا.. يتم ذلك الآن في مستشفيات إيطالية وإسبانية. تم وضع كود للاختيار عند التعامل. الشباب أولا.. ثم التدرج حسب السن ومدى التدهور!

 

كم أنت حيوان وما زلت حيوانا أيها الإنسان! من تسمح بحرمانه من جهاز التنفس.. هو أبوك وهو جدك.. عاد إنسان الغابة إذن بدرجات متفاوتة ما بين البيوت وغرف اتخاذ القرار داخل المستشفيات. هذه المحنة كاشفة بكل المقاييس. وعلينا أن نتذكر أنها ستزول.. لكن ما وقع من كل منا تجاه الآخر لن يزول أبدا.. أبدا

 

Last Update : 2020-05-23 12:22 PM # Release : 0067