رئيس التحرير
عصام كامل

سهرة فى "شارع الحب"

بعد إغلاق دور العرض السينمائى دعوت نفسي إلى عرض سينمائى خاص.. حولت غرفة المعيشة إلى صالة عرض سينمائي، وقررت حجز مقعدي على بعد ثلاثة أمتار تقريبا من الشاشة وجهزت كيسا كبيرا من الفيشار البيتى، وأنهيت حاجتى إلى الحمام قبل العرض بدقائق..

 

أطفأت الأنوار قبيل العرض بدقيقة تماما، بعد أن جهزت نفسي للقاء عدد من جبابرة السينما والشعر والغناء في فيلم الليلة على قناة روتانا كلاسيك، حولت هاتفى إلى وضع الصامت، وفردت قدمى دون أن تطال مقاعد من أمامى.. وجلست على كرسى كنت قد اشتريته خصيصا لهذا الغرض يشبه إلى حد كبير كراسى دور العرض الكبرى.

 

أفرغت ذاكرتى تماما من كل ما يخص فيلم العرض، وطبعت ما يشبه الكراس حول أبطال الفيلم والعرض الأول.. أنا الآن في عام ١٩٥٨م وهذا هو العرض الأول لفيلم شارع الحب، عبد الحليم في مجده الشبابي وصباح أيقونة الدلع والأنوثة الطاغية ومنيرة سنبل ذات الوجه الصبوح الشقى وعبد السلام النابلسي المتأنق في دور الموسيقار المغمور، وشلة معه تمثل نخبة مختارة من شارع محمد على..

 

اقرأ أيضا: عندما رحل صاحب يوم اليتيم

 

زينات صدقى التي لم يملأ فراغها ممثلة أخرى في تاريخ السينما العربية، وعبد المنعم إبراهيم بذور البسمة البريئة المزروعة في نفوس جيلى ، ونور الدمرداش الوجه الصحراوى العبوس، وحسن فايق بكل ما يمتلك من مخزون كوميدى ثرى، ومعهم رياض القصبجى دون أن نغفل الكبير حسين رياض الموسيقار الكبير الهارب من عقوبة قتل محبوبته.

 

بدأت القصة التي كتبها ورسم منحنيات حوارها يوسف السباعى ليضيف إليها المخرج عز الدين ذو الفقار سيناريو بديعا، وكما هو مدون في كراس تعريف الفيلم الذي أعددته قبل العرض بيومين، فإن شاعرين كبيرين مرسي جميل عزيز ومأمون الشناوي بطلان من نوع خاص في اتحافنا بأشعار خالدة في أغانى علمنى الحب وموالى ونعم يا حبيبي وقولوله الحقيقة والليالي ولأه لأه مع ملحنين ثلاثة من العيار الثقيل هم محمد الموجى ومنير مراد وكمال الطويل.

 

تبدو نسخة الفيلم جيدة من حيث نقاء الصورة ووضوح الصوت، لتنتقل الكاميرا بين قصور الكبار في حقبة أقدم من حقبة إنتاج الفيلم، ليعرض لنا كيف كان الأغنياء يعيشون حالة من الثراء الفاحش ، وتتصارع تلك الأسر على تعليم بناتها فنون الموسيقى في النوادي التي ينتمون إليها والبيوت، حيث لدى كل منهم بيانو يزين القصور، مع تحف نادرة وديكور أكثر ثراء وبنايات فارهة وواسعة ترافقها حدائق غناء.

 

اقرأ أيضا: شواذ كرة القدم

 

عبد المنعم صبرى - عبد الحليم حافظ- الشاب الموهوب موسيقيا يلقيه القدر إلى شارع محمد على، حيث يلتقي ثلة من طين الشعب المصري، على رأسهم حسب الله السادس عشر - النابلسي- فيكتشفون موهبته ويقررون الإنفاق عليه مهما كانت الظروف، ليدرس الموسيقى ويغير من مستقبله بدلا من البقاء في شارع محمد على، المكان الذي يجعل كل من فيه على هامش الحياة.. يتعلم الشاب ويتخرج في معهد الموسيقى.

 

ينتقل عبد المنعم صبرى إلى خانة البحث عن عمل في مكان يليق بدراساته فيجد الفرصة سانحة بأحد أندية الصفوة، غير أنه لا بد وأن يكون شيخا كبيرا إذ إن الأسر المحافظة ترفض أن يكون شابا يؤثر في بناتها.. فيلجأ إلى حيلة تركيب ذقن وشارب ليبدو كبيرا في السن..

 

يلتحق بالعمل في النادي الذي ينقل لنا صورة من صور الحياة بين بنات الأثرياء ، حيث تتنافس كريمة -صباح- وميرفت التي تقوم بدورها منيرة سنبل، ويصبح الموسيقي الشاب هو مادة رهان بين الفتاتين.

 

مباراة في الأنوثة بين صباح ومنيرة للإيقاع بالرجل العجوز -عبد الحليم- تسابقان الزمن من أجل أن تفوز إحداهما بحلق لحية العجوز حتى ينكشف الأمر ، وتنهار القيم التي يؤمن بها ابن شارع محمد على أمام صولجان العبث في أوساط أثرياء القوم.. تتعقد الأمور وهنا يأتى فاصل إعلانى يقطع على متعة استكمال أحداث الفيلم!!

 

اقرأ أيضا: يعقوب.. رسالة في الزمن الصعب

 

قمت من على كرسى العرض أضأت الأنوار وبدا كل شيء وكأني بالفعل داخل دار عرض سينمائى.. تجولت خارج صالة العرض، ومضيت إلى المطبخ واعتبرته كافتيريا الدار.. سحبت كوبا من الفوم وصببت عصير برتقال فيه، ولففته بمنديل ورقى كبير ووضعت "شاليمو" حتى يبدو كل شيء كما هو داخل دار العرض، وإمعانا في ذلك أخرجت مبلغا ماليا ووضعته على رخامة المطبخ ليتناوله "الويتر"!!

 

ذهبت سريعا إلى صالة العرض -غرفة المعيشة- وأطفأت الأنوار وعدت إلى المطبخ وأضأت الكشاف الصغير، وصحبت نفسي إلى داخل قاعة العرض وعندما جلست منحت نفسي بضعة جنيهات باعتبارى دليلا نفسيا إلى المقعد.. لحظات وبدأ العرض!!

 

كنت شغوفا ماذا سيحدث؟! وماذا سيفعل بنا يوسف السباعي وعز الدين ذو الفقار..؟! هل تنتصر قيم شارع محمد على الأصيلة على قيم الطبقة المستهترة؟!تتوالى الأحداث ويصل المطرب الشاب إلى الأوبرا ويصعد بجواره الموسيقار المغمور جاديليو أو جاد الله - حسين رياض- ويضع يوسف السباعى ضابطا في قاعة العرض يراقب ليكتشف أن جاديليو ليس إلا جاد الله الهارب من عقوبة السجن بعد قتله لزوجته الخائنة.

 

اقرأ أيضا: "الندالة" شعار الأسرة الدولية في مواجهة كورونا

 

وبين تصفيق الحضور ونجاح المطرب الشاب في أول درجات سلم الشهرة، يصعد الضابط إلى المنصة وهنا يستسلم جاد الله للأمر بعد أن نجح في تقديم موهبة شابة إلى عالم الغناء، ثم يعلن الضابط أنه رغم فقده لرتبته بسبب هروب جاد الله إلا أن العقوبة سقطت بالتقادم.. نهاية سعيدة بين صباح وعبد الحليم وبراءة جاد الله وتكتب كلمة النهاية.

 

أغلقت التليفزيون وأضأت الأنوار.. كانت رابطة العنق قد ضاقت بي طوال العرض، مضيت إلى غرفة النوم خلعت ملابسى شبه الرسمية، وتعاطيت بنهم مع حمام ساخن تعبيرا عن سعادتى بهذه الليلة الممتعة، ودخلت إلى سريري وغططت في نوم عميق!!

الجريدة الرسمية