رئيس التحرير
عصام كامل

محمد عبد الجليل يكتب.. جثة في مقلب زبالة حيرت المباحث.. "فردة كوتشي" كشفت الجريمة.. الأم تتعرف على ابنها.. وذلة لسان تكشف القاتل

فيتو

بينما كان رئيس مباحث قسم شرطة السيدة زينب، منهمكا في مكتبه في فك طلاسم الجريمة التي وقعت على بعد أمتار من حي المنيرة العريق، وعثر فيها على جثة شاب عشريني مصابة بسحجات وكدمات بالجسم، وبينما هو كذلك سمع صوت جلبة في الخارج، رجل وسيدة تصرخ في المخبرين والأمناء بأنها تريد مقابلة رئيس المباحث، فأمر بإدخالهما إلى مكتبه.   

ابني فين ياباشا

كان البؤس باديا على وجه المرأة ذات الأربعة وخمسين عاما، ترتدي ملاية سوداء في حالة رثة تدل على شدة فقرها، فيما وقف الرجل الذي بصحبتها مطرقا في جزن بالغن وعندما سأله رجال المباحث عن هويته أخبرهم بأنه عم الشاب المتغيب، وهذه أرملة أخيه، بادرها المقدم أحمد سعيد بسؤالها "خير يا ست"، ردت في صوت مبحوح بالبكاء "ابني يا باشا غايب اديله يومين ومعرفش عنه حاجة"، طلب منها رئيس المباحث أن تحكي له القصة باختصار، قالت السيدة إن ابنها يقيم مع عمه بعد وفاة أبيه، لكنه لم يعد إلى المنزل منذ يومين، وتخشى أن يكون قد اصابه مكروه، بخاصة أن الولد يسير في طريق البلطجة والسرقة بالإكراه، ما يرجح أن أحدهم قد تربص به وأراد أن ينتقم منه. استمع المقدم سعيد إلى القصة، ولم يجد فيها ما يثير شكوكه بشكل مبدئي، فأمر أحد معاونيه بأن يصطحب السيدة والرجل لتحريرمحضر لها باختفاء ولدها، كما أمر رجاله في وحدة المباحث بسرعة جمع التحريات والبحث عن الشاب وإعادته إلى أمه على وجه السرعة.

"كوتشي" إسلام يا بيه.

وجه رئيس المباحث تعليماته إلى رجال الوحدة، وظل نظر السيدة معلقا على زاوية في أقصى الغرفة، لا تريد أن تحول نظرها عنه، عندما التفت إليها المقدم أحمد سعيد وطلب منها النزول إلى "النبطشية" لتحرير المحضر، لم تجبه ولم ترد طلبه وكأنها غابت عن الوعي، كان نظرها ثابتا على كومة من الملابس ملقاة في زاوية المكتب، صاح بها المعاونون لتنصرف معهم، لكنها تركتهم وسارت كالمسحورة إلى كومة الملابس، ثم بدأت في عرضها أمام أعين رجال المباحث، وأمسكت بفردة حذاء "كوتشي" وصرخت:  "دي بتاعة ابني"، فيما صاح عم الولد "الكوتشي بتاع إسلام.. لقيتوه فين".

الأم تتعرف على ابنها في المشرحة

الآن لم يعد أمام ضباط مباحث السيدة سوى التفكير في كيفية مواجهة هذه السيدة بجثة ابنها الموجودة في مشرحة زينهم، بعد أن تعرفت على ملابس ابنها التي كان يرتديها والتي وضعت بوحدة المباحث قيد التحفظ عليها لحين استكمال التحقيق في القضية، كانت لحظة صعبة عندما أزاحت المرأة الغطاء عن وجه ابنها، فلم تتمالك نفسها وظلت تصرخ بلوع أم فقدت وليدها الشاب، حتى أن رجال المباحث تعاطفوا معها تحت قسوة الموقف، حتى حسم معاون المباحث الموقف وطلب منهم اصطحاب السيدة إلى الخارج للاستماع إلى أقوالها.

لغز الجريمة

الجريمة بدأت بالعثور على جثة في مقلب زبالة بشارع أحمد الطبرسي بحي المنيرة، وعلى الفور أمر رئيس نيابة السيدة زينب بإرسالها إلى الطب الشرعي لتشريحها، ووقف رجال المباحث أمام لغز كبير بدأت خيوطه تنكشف بعد حضور هذه السيدة وتعرفها على جثة ابنها، الذي تبين أنه مسجل سرقات وله أعداء كثيرون، ما زاد من اللغز صعوبة لاتساع دائرة المشتبه فيهم، خاصة أن القتيل اعتاد البلطحة على قاطني المنطقة التي يعيش فيها، وسرقة متعلقاتهم من هواتف محمولة وغيرها، وكانت آخر جرائمه سرقة دراجة هوائية من أحد سكان المنطقة، ويبقى السؤال من قتل هذا الشاب؟ قاتل هذا الشاب هو أقرب الناس إليه! عمه هو من قتله، هكذا حسم رئيس المباحث حل اللغز أمام اللواء نبيل سليم، مدير الادارة العامة لمباحث  القاهرة، وعندما طلب منه اللواء أشرف الجندي، مساعد أول الوزير مدير أمن القاهرة تفسيرا لهذا الاستنتاج، كان رئيس المباحث قد أعد أدلته بدقة شديدة تثبت تورط عم القتيل في مقتله.

فك طلاسم القضية

تحريات المباحث أثبتت أن الشاب القتيل كان يعيش مع عمه في حي السيدة، والمعاينة الجنائية التي أجراها خبراء المعمل الجنائي لم تعثر على أي شيء في مسكن المجني عليه يفيد مسار القضية، باستثناء شيء واحد فقط جعل هذه الجريمة غير كاملة، وهي فردة الحذاء التي تعرفت عليها الأم ولم تنتبه إلى صراخ عمه بالتعرف عليها في مكتب رئيس المباحث، لكن شخصا واحدا فقط كان دقيق الملاحظة، وهو المقدم أحمد سعيد الذي كان شديد التركيز واصغى بسمعه إلى أقوال الأم التي أكدت فيها أن ابنها كان يقيم يالتناوب بين بيتها وبيت عمه، وفي يوم اختفائه ذهب مع أحد أصدقائه لشراء "كوتشي" جديد وعاد إلى منزل أمه وتناول معها الغذاء، قم أخبرها بأنه سيذهب للقاء نجل عمه الذي وعده بأن يريه الحذاء الجديد، ولم تراه مرة أخرى حتى فوجئت بجثته ترقد في المشرحة. كان استنتاج المقدم أحمد سعيد في غاية الإحكام والمنطق، إذا كان الشاب لم يره أحد منذ أن كان عند أمه، فكيف تعرف عمه على حذائه الجديد وهو لم يره به من قبل؟ اعترافات العم.

لم يستطع العم أن ينكر هذه الشواهد والأدلة بمجرد مواجهته بها، واعترف بقتل نجل شقيقه، وبرر ذلك بأن المجني عليه كان سيئ السمعة واعتاد القيام بسرقته وسرقة سكان المنطقة التي يعيشون فيها، فقام باحتجازه داخل شقته وتوثيقه بحبل والتعدي عليه بالضرب باستخدام خرطوم بلاستيك، بغرض تأديبه، لكن الشاب بفظ أنفاسه الأخيرة، فلم يجد المتهم سوى أن يستعين بنجله للتخلص من جثته بإلقائها في مقلب زبالة بشارع أحمد الطبرسي بحي المنيرة، ثم إبلاغ والدته باختفائه. وبمتابعة تقرير الصفة التشريحية لجثة المتوفى، تبين وجود كدمات شرطية مزدوجة وسحجات بأماكن متفرقة بالجسم، وأثار تكبيل بالقدمين واليدين ويرجح استخدام خرطوم أو عصا مرنة لإحداث الإصابات المنوه عنها، وأرشد المتهم عن الأدوات المستهدمة في الجريمة التي كانت لغزا محيرا، إلا أن قوة ملاحظة وتركيز رجال مباحث السيدة نجحت في حل ما اكتنفته من غموض.

الجريدة الرسمية