رئيس التحرير
عصام كامل

تنظيم لاغتيال البراءة

أتيح لهذا البلد عدة فرص لتطوير الحياة السياسية وإنضاجها ولكنها لم تستفد منها، مثلا كان يمكن بعد التخلص من بقايا الاتحاد الاشتراكي المتمثل في الحزب الوطني بحله والتخلص من جماعة الإخوان التي دمرت أَي محاولة لتطوير الديمقراطية في هذا البلد كان يمكن تشكيل حزبين كبيرين يعبران عن الواقع الراهن.

 

الأول حزب لانتفاضة يناير والآخر لثورة يونيو، وكان يمكن للحزبين أن يكونا على غرار حزب الوفد الذي تشكل بإرادة شعبية طبيعية من رحم ثورة 1919، ورغم ذلك لا يزال الوقت متاحًا لتأسيس الحزبين، وهناك أنصار كثر للحزبين وتيار عام لكل منهما لايجدون القناة الشرعية للتعبير عنهما.

 

اقرأ أيضا: نقاط ضعف دولة 30 يونيو

 

خاصة مع تأميم السياسة في الشارع والجامعات والنقابات مما خلق فراغًا كبيرًا يغري المؤلفة قلوبهم سياسيًا، ويخلق حالة من عدم الثقة بين الشارع والسلطة، ورغم مرور تسع سنوات علي يناير وسبع سنوات على يونيو لا يزال سوء الفهم والتقدير يسيطران علي الجانبين، وخلال تلك الفترة لم تظهر اَي قيادة سياسية مبشرة لغياب الأحزاب واتحادات الطلاب التي تفرخ هذه القيادات.

 

اقرأ أيضا: في التوقيت الخطأ

 

أقول ذلك بعد أن كتب أحدهم مقالاً، يقترح فيه؛ تأسيس تنظيم سياسي جديد اسمه "حركة ٣ يوليو"، التنظيم يقوم علي تجنيد تلاميذ المدارس من ابتدائي وإعدادي وثانوي وحتى الجامعة.

 

هذا الاقتراح  تسييس للأطفال الذين لم يبلغوا سن الاختيار، ولم يملكوا إرادة القبول والرفض، ولاملكة الاختيار والفرز، نحشو أدمغتهم البريئة بشعارات تغتال طفولتهم، وبأفكار تكبل عقولهم، وبتصورات تشوه طباعهم، والأولي أن نطلق لهم المجال فسيحاً ليفكروا بحرية، ويحلموا بما يتفق وزمانهم، ولينطلقوا نحو المستقبل غير محملين بأثقال السياسة ومفاسدها.

 

اقرأ أيضا: أضغاث أحلام

 

وربما كان الكاتب متأثرا بمنظمة الشباب الاشتراكي التي تشكلت في الستينات ولعبت دورا مؤثرا فى إعداد جيل جديد من القيادات الشابة، من خلال رؤية وطنية قومية ملتزمة، وأهم دليل على نجاحها كان في القيادات التى  تبوأت بعضا من أهم المواقع فى مصر، كما أنها ساعدت النظام بتجنيد عدد من الموالين.

 

لكنها أضرته لكون بعض هؤلاء اكتشف عيوب النظام من الداخل، فتمردوا على النظام نفسه، وتخرج فيها بعض من أشرف وأخلص أبناء هذا البلد، كما تخرج فيها بعض أحط وأفسد وأفسق أبناء هذا الوطن، لقد زودت منظمة الشباب الاشتراكي المجتمع المصري بجيل جديد من القيادات خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.

 

اقرأ أيضا: المعارضة الرشيدة المطلوبة

 

وقد بعث هذا الجيل الحيوية في المنظمات الجماهيرية، وتجديد الحياة السياسية، ووفّر للبلاد نخبة قيادية جديدة ساهمت في العمل الوطني تحت قيادة جمال عبد الناصر، وتصدّت لسياسات الردّة على ثورة 23 يوليو ومع التسليم بأن هذه التجربة لا يمكن تكرارها أو استعادتها لأنها كانت نتاجا لعصرها ولظروف مصر في الستينيات من القرن العشرين.

 

إلا أنه يمكن الاستفادة منها وتمثل أهم دروسها، وفي مقدمتها أن المزاوجة بين التكوين الفكري والتدريب القيادي والإدماج في حركة المجتمع من خلال النشاط السياسي والجماهيري هي شرط ضروري للنجاح في إعداد القيادات الشابة، وأنه من أهم عوامل النجاح للقيادات الجديدة: توفر الوعي القائم على المعرفة العلمية، وروح المبادرة الناجمة عن القدرة الحركية، والشعبية التي تصنعها علاقة سليمة بالجماهير.

 

اقرأ أيضا: الوضع الدستوري المرتبك للبرلمان المقبل

 

بشرط أن تكون ولادتها طبيعية وليس باختيارات السلطة، فقد مضي هذا العصر الذي تصنع فيه السلطة نخبتها لأن العكس هو الصحيح، خاصة أن الأجيال الجديدة مختلفة في كل التفاصيل، وأن الطفولة هي نتاج الآباء والأمهات وإذا أردنا حياة سياسية نظيفة لابد أن تكون البدايات صحيحة، بمنح الآباء المساحة الكافية من المناخ الجيد للاختيار والإبداع وحرية الانتماء السياسي، لأنها أولى حقوق الإنسان فإذا صلح الآباء صلح أبناؤهم.

الجريدة الرسمية