رئيس التحرير
عصام كامل

تركيا وروسيا.. مواجهة محتملة!

العلاقة بين تركيا وروسيا فى سوريا، وبالذات فى إدلب على الحدود مع تركيا، تستعصى على الفهم والاستخلاص، لأنها علاقة زئبقية، متقلبة، متحولة بين دقيقة وأخرى. هذا النوع من العلاقات الحرجة بين الدول هو قرار خامد فى المنطقة الرمادية، لأن الطرفين يريدان الانفجار ولا يريدانه فى وقت واحد.

 

يريدان لأنه سيحسم التردد وتترتب عليه نتائج على الأرض، فيها منتصر وفيها مهزوم خاضع. ولا يريدان لأن تداعيات التدحرج نحو المواجهة ستحرق فى طريقها الكثير من المصالح المعقدة والمتشعبة بينهما..  

 

سنحاول رسم خريطة للعلاقات المتداخلة والمتفرعة.. سنجدها أشبه بكرة مبعثرة متداخلة من الأسلاك يصعب فكها.. تركيا عضو مهم جدا فى حلف الأطلنطى وحليف تاريخي لأمريكا رغم تمرد أردوغان وتململه من وقت لآخر من وصاية ترامب.. وتركيا صديقة الاضطرار والضرورة لروسيا لكي تكايد أمريكا.. وروسيا نفسها تكايد أمريكا لذا باعت لتركيا منظومة صواريخ إس إس ٤٠٠ الروسية المتطورة، وغضت الطرف عن اغتيال سفيرها فى إسطنبول، وتعامت عن الثأر لإسقاط طائرة حربية روسية وقتل الطيار.. كل ذلك لجذب الأتراك إلى مواءمة سياسية داخل سوريا ولتوتير العلاقة بين أنقرة وواشنطن.

 

اقرأ أيضا: رصاص البجم.. وحكومتنا فاتحة صدرها للبضاعة التركى !

 

المواءمة السياسية فى سوريا ليست فقط لصالح الدولة السورية التى استعادت معظم أراضيها بفضل المساندة الفعالة الملموسة من الجيش الروسي، بل أيضا لصالح روسيا التى استقرت وسوف تستقر طويلا فى قواعد عسكرية (حميميم) وموان سورية (طرسوس) المنفذ الحالي للأسطول الروسي شرقى المتوسط، وروسيا بذلت فى الحرب الى جانب السوريين دماء من جنودها وضباطها وأنفقت مليارات..

 

ولتركيا علاقات وثيقة مع إيران.. لكن إيران مشتركة في الحرب بقواتها وقوات حزب الله اللبنانى الشيعى الموالي لها.. ويهم إيران ألا تضطر إلى مواجهة مع تركيا إلى جانب الجيش السورى والجيش الروسي.

 

لكنها إذا وقعت وكل النذر تتجه إلى تقوية هذا الاحتمال.. فسوف تكون العواقب وخيمة لأن أمريكا ستدخل على الخط لمساندة تركيا باعتبارها عضوا فى حلف الأطلنطى، ليس هذا فحسب بل أيضا لتشتيت الجهد العسكرى الإيرانى وإعادة توزيعه على جبهات تمثل مصائد قتل فتاكة.. وإسرائيل فاعل خفى أو ظاهر عندئذ. تلك خريطة التشابكات والعلاقات المعقدة.. بين الأطراف الفاعلة فى معركة إدلب..  

لماذا تركيا فى إدلب على شريطها الحدودي مع سوريا؟

لأن تركيا تريد القضاء على الأكراد، قوات سوريا الديمقراطية، تعتبرهم إرهابيين، لكن هؤلاء تحميهم أمريكا لأنهم مقاتلون أشداء تصدوا بنجاح للدواعش هناك ومن ثم تحظر على تركيا ضربهم!

 

واقرأ أيضا: وراء الستار فى عقل أردوغان

 

تتستر تركيا خلف الجماعات الإرهابية المسلحة لمهاجمة القوات الكردية.. ولما نجح الجيش الوطنى السورى فى استعادة ٦٠٠ كيلومترا ودخل إدلب.. تحججت تركيا بأن “الأسد” يقاوم الوجود التركي.

يقاوم الاحتلال!

النجاح الأخير الملحوظ للجيش السورى راجع للغطاء الجوى الروسي الكاسح الذى يحرم أردوغان من إدخال أي طيران تركي.. في سماء سوريا. فرد أردوغان بإدخال معدات وجنود بالآلاف..

 

روسيا تحذره.. والاتحاد الأوروبى يحذر من حرب مفتوحة بين روسيا وتركيا.. لكن لماذا توترت العلاقة بين أصدقاء الضرورة؟

اعتبرت روسيا أن تركيا وراء الهجمات الإرهابية على قواتها المقاتلة مع الجيش السورى في إدلب.. وبذلك انتهكت اتفاق سوتشي الذي ألزم أنقرة بتحييد الجماعات المسلحة..  

كيدا فى روسيا أعلنت أمريكا أنها ستساند أنقرة.. فى المواجهة التى ربما تقع ظاهريا بين الجيش الوطنى السورى والأتراك.. عندئذ ستواجه تركيا إيران ومعها حزب الله.. وستواجه روسيا وإيران وحزب الله.. قوات تركية معززة بقوات الناتو!

موقف شائك غاية فى التعقيد. والنفعية السياسية.. أما المؤلم حقا فهو سوريا الجريحة، صارت مشبوحة على مائد اللئام بسبب الخونة الذين باعوا الوطن لحساب أسيادهم في الغرب.

الجريدة الرسمية