رئيس التحرير
عصام كامل

"طفيلي" يغير تاريخ "الأوسكار"

كشفت ليلة هوليوود الذهبية الكبرى في حفل جوائز "الأوسكار" عن مفاجآت عدة وتغيير كبير في نهج الجوائز، كان أبرزها حصد الفيلم الكوري الجنوبي الاجتماعي الساخر "طفيلي" (Parasite) أربع جوائز أوسكار شملت "أفضل مخرج وأفضل سيناريو لبونغ جون هو وأفضل فيلم روائي دولي وأفضل فيلم"، ليصبح أول فيلم غير ناطق بالإنكليزية ينال هذه الجائزة الرفيعة، ويحقق المجد السينمائي لكوريا الجنوبية.

 

والأهم أنه صنع تاريخا جديدا في "الأوسكار" بدءا من الدورة 92، مستفيدا أيضا من تغيير أكاديمية فنون وعلوم السينما اسم الجائزة هذا العام من أفضل فيلم أجنبي إلى أفضل فيلم روائي دولي، لتعكس مزيدا من الإيجابية والشمول تجاه الأفلام المنتجة خارج هوليوود.

 

الفيلم يستعرض كيف تخترق أسرة كورية فقيرة بالاحتيال حياة عائلة ثرية وما يتبع ذلك من عواقب، ليتضح أن الفقر والثراء متشابكان وكل منهما بمثابة طفيليات على الآخر، وهو كان أحد أبرز المرشحين لجائزة أوسكار بعد نيله "السعفة الذهبية" لمهرجان كان السينمائي وكذلك "غولدن غلوب" وجائزة نقابة ممثلي الشاشة.

 

اقرأ أيضا: صراع "العلمنة والأخونة" في تونس

 

على صعيد الإيرادات، جنى الفيلم إيرادات جيدة زادت على 161 مليون دولار بأنحاء العالم. واعتبر مخرج ومؤلف الفيلم بونغ جون هو "أن الجوائز أثبتت أن الأفلام الدولية تكسر حاجز اللغة مع الجمهور".

واعترف بونغ لدى استلامه جائزة أفضل مخرج: "لم أتخيل أني سأفوز". ثم أبدى احترامه للمخرجين الأربعة الذين رشحوا للجائزة وتمنى "لو حصلت على منشار وقسمت الأوسكار إلى خمسة أجزاء وتقاسمتها معكم جميعا".

 

ولم يفت بونغ أن يشكر "الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث، لأن المجتمع بأكمله شعر معها بتراجع حواجز اللغة وربما استفاد (طفيلي) من هذا التوجه العالمي".

 

 مفاجأة فوز فيلم كوري بأكبر وأهم جوائز الأوسكار في حدث غير مسبوق، وتفضيله على فيلم "1917" للمخرج سام منديس، عن الحرب العالمية الأولى، وكذلك فيلم "الجوكر" الذي تجاوزت إيراداته مليار دولار، ثم فيلم "الأيرلندي" لكبار نجوم هوليوود، دعت كثرا للتساؤل عن أسباب فوز "طفيلي" وتغييره تاريخ أرفع جائزة سينما في العالم، وكان أول الردود أنه حصد معظم جوائز المهرجانات الدولية وأولها سعفة كان الذهبية مرورا بجوائز أمريكية تعد مؤشرا مهما للأوسكار.

 

اقرأ أيضا: نساؤهم حاكمات ونساؤنا محبطات

 

ومن أسباب النجاح أن شركة Neon، صاحبة حقوق الفيلم في أمريكا الشمالية، نفذت حملة ترويجية مميزة وحذرة للفيلم، قدمته إلى هوليوود بشكل فريد وجعلت فريق العمل من مخرج وممثلين وفنيين متواجدين في كل مكان، حضروا عرض الفيلم في مناطق مختلفة، وأجروا مقابلات مع صحف ومجلات وتلفزة عدة، والتقطوا صوراً مع الجمهور، ولم يرفضوا دعوة أو طلبا لأحد، بمعنى أنهم سعوا إلى إرضاء الجميع وكسب ثقتهم ومحبتهم إلى جانب أن الفيلم مميز، وبهذا لم يكن هناك صوت يعارض فوز الفيلم بالأوسكار.

 

 ولعل من أسباب حصد "طفيلي" أوسكارات أربعة، أنه نال استحسانا يتجاوز مجتمعا محددا، لأن غضبا سياسيا يلف العالم بأسره يؤججه الشعور الملموس بانعدام المساواة الاجتماعية، وهي "الثيمة" التي لعب عليها الفيلم بذكاء كبير، باعتبار أن المخرج هو ذاته مؤلف الفيلم، ولهذا فاز بأوسكار الإخراج وأوسكار أفضل سيناريو أصلي لمزجه المدهش بين التشويق والكوميديا العائلية والسخرية اللاذعة عن التفاوت الاجتماعي بين العائلات في كوريا الجنوبية.

 

اقرأ أيضا: "غدير" تجاوزت إرهاب السلف والإخوان

 

ليلة هوليوود العامرة بالمفاجآت والتغيير الكبير لم تخل من الدموع والإنسانية والانتقاد السياسي، وبعد أن بات الفيلم الكوري "طفيلي" الرابح الأكبر، توج الأمريكي براد بيت بأوسكار أفضل ممثل مساعد عن دور دوبلير في فيلم "وانس ابون ايه تايم… إن هوليوود" إخراج كوينتن تارانتينو، وقال بيت: "أنا مذهول. لا أنظر إلى الماضي عادة لكن ذلك جعلني أفعل". وأشاد بطاقم الفيلم الذي يتغنى بهوليوود الستينات، محيياً خصوصاً الممثلين البدلاء الذين يقومون بالمشاهد الخطرة.

 

واستذكر براد وصوله إلى هوليوود والممثلة جينا ديفيس والمخرج ريدلي سكوت اللذين منحاه فرصته الأولى في فيلم "ثيلما أند لويز" قبل نحو 30 عاماً. وختم براد كلمته وقد اغرورقت عيناه بالدموع متحدثاً عن عائلته، وأهدى الجائزة إلى أولاده: "الذين لهم تأثير كبير على كل ما أقوم به. أنا أعشقكم".

 

اللافت في خطاب براد أيضاً تطرّقه إلى السياسة: "قيل لي إننّي أملك 45 ثانية على المسرح، في حين رفض مجلس الشيوخ منح جون بولتون ثانية واحدة للشهادة في قضية الرئيس ترامب"، موضحاً أنّه "جاد في انتقاده إجراءات مجلس الشيوخ في ما يتعلق بمساءلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أساء استخدام سلطته الرئاسية وأفلت من العزل".

واختتم: "خاب أملي فعلاً... عندما تتغلب الألاعيب على الأشياء الصحيحة، فهذا الأمر محزن".

 

اقرأ أيضا: "ممالك النار" والهذيان التركي القطري

 

أما خواكين فينيكس، الفائز بجائزة أفضل ممثل عن فيلم "الجوكر"، فألقى كلمة تاريخية مؤثرة ومفعمة بالإنسانية، وقال فينيكس بعد تسلمه الأوسكار: "أشعر بالامتنان راهنا، ولا أعتبر نفسي بمرتبة أعلى من زملائي، لأننا نتشارك الحب نفسه، حب السينما. هذا الشكل من التعبير وفر لي أروع حياة ممكنة"، داعياً "أوساط هوليوود إلى استخدام صوتنا لمن لا صوت لهم، ولمحاربة الظلم".

 

وتابع فينيكس: "كنت أنانياً وقاسياً في حياتي. عملت بجهد كبير وممتن لكل من قدّم لي فرصة، وأعتقد أنّ هذا أفضل ما يميّزنا، عندما ندعم بعضنا بعضاً وعدم اعتماد سياسة الإلغاء بسبب أخطاء الماضي، بل عندما نعلّم ونقود بعضنا لنتقدم إلى الخلاص فهذا أفضل ما لدى البشرية".

 

توقف بطل "جوكر" برهة بعدما دمعت عيناه متأثراً: "عندما كان أخي في سنّ السابعة عشرة كتب: "اهرع للنجدة بالحب وسيتبعك السلام".

 

وأضاف: "أعتقد أنّه سواء كنا نتحدث عن عدم المساواة بين الجنسين أو العنصرية أو حقوق الإنسان أو حقوق السكان الأصليين أو حقوق الحيوان، فإننا نتحدث عن مكافحة الظلم، بما يعني رفض فكرة أحقية أمة أو شعب أو جنس بشري السيطرة على الآخر واستغلاله والإفلات من العقاب".

 

مفاجآت الأوسكار كثيرة، لكن الأهم أن تغيير النهج سيستفيد منه صناع السينما في العالم كله، شرط إنجاز أفلام احترافية ذات بعد عالمي.

 

الجريدة الرسمية