الخميس 23 يناير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل

مصير خونة طومان باي آخر سلاطين المماليك

قال سامح الزهار، الباحث فى شئون الآثار الإسلامية، إن خونة السلطان طومان باى آخر سلاطين المماليك كانت نهايتهم سوداء، مؤكدا أن جان بردى الغزالى، حلم كثيرًا بالصعود بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة منذ أن كان مملوكًا للأمير تغرى بردى الإستادار، فبعد خيانته للمماليك وانضمامه إلى سليم الأول سلطان العثمانيين الذى ولاه حكم دمشق قد خان العثمانيين بعد وفاة سليم فثار على حكمهم زمن سليمان القانونى، وحاول الاستقلال بالشام فهزم فى موقعة المصطبة، حيث هاجمت قوات على بك شهسوار أوغلو وكاراجا أحمد باشا معا، الغزالى الذى أعاد جمع قواته فى الشام من جديد، وأُخمد التمرد بهزيمة قوات جان بردى الغزالى نتيجة المعارك التى وقعت فى منطقة مصطبة بالقرب من الشام وقُتِل الغزالى على يد أحد رجاله الذى عاد إلى إسطانبول ومعه رأس الغزالى. 



أما الخائن حسن بن مرعى أحد شيوخ العربان، جاء من صلب شيخ العرب نصر إبراهيم نصر الذى جاء من الجزيرة العربية، تحديدًا من نجد، واستقر فى منيا القمح، ولم يستقر طويلًا بها، بل انتقل إلى العزيزية وأصبح أول عمدة لها وبعده جاء ابنه الذى سماه مرعى الذى أصبح تاجرًا للأخشاب وأنجب أربعة أبناء، منهم أحمد مرعى إبراهيم نصر، وأثناء حالة الكر والفر واللقاءات الحربية بين المماليك والعثمانيين كانت إحدى اللقاءات الحربية فى الجيزة، انتهت بنصر العثمانيين، فاختفى طومان باى للمرة الثالثة خلال المعارك، وهذه المرة توجه إلى الغربية عند حسن بن مرعى وابن عمه شكرى، من شيوخ غرب محارب، حيث كان ولاهم طومان باى على عربهم، وبعد أن أخرج حسن من الحبس المؤبد زمن السلطان الغورى، فالتقى بهم وأخذ العهود والمواثيق والقسم المغلظ، بأن يكونا معه ظاهرًا وباطنًا وبالقلب، وأن يكون العربان معه على قلب رجل واحد، وشرح السلطان طومان باى، بأن العدو خلفه وأحضر مصحفًا وحلف حسن وابن عمه على القرآن ألا يخونا ولا يغدرا به ولا يدلا عليه بشىء ولا لسبب من الأسباب، وحلفا على المصحف سبع مرات فاطمأن طومان باى، وبعدما اطمأن حسن بن مرعى على استقرار طومان باى ومن معه، خرج ليستطلع الأخبار، وقد حدثته نفسه بالخيانة، ويقال إن مجادلة حادة وقعت بينه وبين أمه فى أمر الخيانة، وحذرته الأم من هذا العمل، وأخذت تذكره بما لطومان باى من أياد بيضا، وجاهدت فى نصحه فلم ينتصح، وطمع فى المكافأة وشجعه شكرى ابن عمه بقوله: "هل عاقل يبيع عاجله بآجله، لا تمل إلى الكفة الخاسرة فيحصل لك الخسران"، واستقر حسن على الخيانة واحاط بعربانه، وأرسل إلى سليم الأول بالخبر، ومرت الأيام حتى كان عقاب حسن بن مرعى بقطع رأسه وتعليقها على باب النصر ثلاثة أيام. 

 

حكاية السلطانين طومان باي.. واحد تعاطف معه المصريون والآخر خلعه المماليك

وعن مصير الخائن خاير بك الملقب بـ “خاين بك” أوضح الزهار أنه مرض فى ذى القعدة سنة 928هـ، ولزم الفراش على الفور، وتزايد به المرض، وقيل انه وقع فريسة لثلاثة أمراض جاءته مجتمعة وكما يصفها ابن إياس: "منها فرخة محمرة طلعت له فى مشعره، وانحدار انصب له فى أعضائه، وهو من أنواع الفالج وكتم البول، وحار الأطباء فى علاجه"، وعندما تزايد المرض، لجأ إلى ما يظن أنه سيهدئ نفسه فتصدق على أطفال الكتاتيب بالقاهرة، لكل صغير منهم بنصف فضة، وكانوا يقولون لهم، اقرءوا الفاتحة وادعوا لملك الأمراء بالعافية، وفى الحادى عشر من الشهر أشيع بين الناس أنه عجز عن القيام، شل تمامًا، فلما تزايد به الأمر، أعتق جميع جواريه ومماليكه، وأفرج عمن كان سجنهم ظلمًا، ثم إنه دفع للقاضى بركات بن موسى ألف دينار فضة، ورسم بإخراج عشرة آلاف أردب قمح من الشونة، ورسم للمحتسب بأن يفرق ذلك على المجاورين بالأزهر، والمزارات، والزوايا التى بالقرافتين قاطبة.  

وهنا يعلق ابن إياس قائلًا: (ولم ير الناس فى أيام ملك الأمراء خاير بك أحسن من هذه الأيام، فإنه جاد على الناس وبر الفقراء والمساكين، ولم يعرف الله إلا وهو تحت الحمل، فلم يفده من ذلك كله شيء، ويأبى الله إلا ما أراد)، وعندما قوى عليه النزع، راح يهذى قائلًا: أين المال؟ وصار يصعق حتى خاف منه من كان حوله، ومات بعدها فى عام 1521، ودفن فى تربته التى بناها بباب الوزير.  ويعدد ابن إياس مساوئه التى لا تحصى، ويقول:(إنه كان جبارًا عنيدًا، سفاكًا للدماء، قتل فى مدة ولايته على مصر ما لا يحصى من الخلايق، واخترع طريقة جديدة فى القتل عن طريق إدخال الخازوق فى الأضلاع وكان يسميها "شك الباذنجان"، وأتلف نقود الديار المصرية، وعزل القضاة الأربعة، وزادت كراهيته لرجال العلم والفقهاء، أما أفدح مساوئه، فإنه كان سببًا فى خراب مصر، لقد حسن لسليم شاه أخذ مصر، وضمن له أخذها، وعرفه كيف يصنع، وكان كثير الحيل والخداع والمكر لا يعرف له حال). 

ويقول ابن زنبل الرمال على من يمر بقبره: (يمر عليها الباشات والصناجق والأغوات عند ذهابهم وإياهم، فلم يلتفت إليه منهم أحد، ولا يترحم عليه ولا يقرأ له الفاتحة، مع أنها تربة مليحة المنظر، ومع ذلك صد الله عنه قلوب الخلق لأنه كان سببًا فى هلاك ألوف مؤلفة من الجراكسة والأروام والعرب وغيرهم وكان موته عبرة لمن اعتبر).