الأحد 26 يناير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل

30 يوما في الصين.. أخضر في أخضر


يظل المصريون من أعلى شعوب العالم إصابة بمرض الحنين إلى الوطن، وبقدر سعادة المصري بالسفر والترحال، بقدر سرعة الشعور بالحنين لمن تركهم خلفه في الوطن منذ يومين أو ثلاثة على الأكثر، بالطبع لا يعنينا هنا الجدل التاريخي هل حب الديار هو الذي يزيد من حنين المصري لوطنه، أم أنه حب من سكن الديار.

المهم في الأمر أن كل شئون الوطن تشغل المصري مهما تناءت المسافات بينه وبين وطنه، ومهما كانت مدة الفراق سواء كانت ثلاثين سنة أو حتى ثلاثين يوما. وقد أسعدني جدا في ضوء اهتمامي بالشأن المصري خلال تلك الرحلة إلى الصين قراءة خبر صحفي صدر عن اجتماع لمجلس الوزراء المصري في الحادي والعشرين من نوفمبر، يؤكد وجود حملة قومية للتشجير تستهدف زراعة مليون شجرة و2700 فدان حدائق كمرحلة أولى، بمعدل 100 فدان حدائق لكل محافظة موزعة على كافة مدن المحافظات، وضرورة زراعة شجرتين مقابل كل شجرة يتم إزالتها، بما يساهم في استعادة المردود البيئي المفقود نتيجة إزالة تلك الأشجار.

شدني هذا الخبر لأنه كان مما شغل تفكيري في أوقات كثيرة خلال رحلة الثلاثين يوم في الصين، هو عقد المقارنات المنطقية والمقبولة في حدود الإمكانيات المادية المتاحة والتي تسمح بها موازنة الدولة المصرية، وليس ما يتوفر للاقتصاد الصيني الذي يمثل ثاني أقوى اقتصاد في العالم.

فمثلا كنت أسأل نفسي: لماذا لا تتوافر في مصر مساحات خضراء من الغابات الشجرية، والحدائق العامة كتلك التي تزدان بها شوارع وطرقات الصين على امتداد مساحتها، سواء داخل المدن أو حتى بين المدن وبعضها البعض. لماذا لا توجد حديقة أورمان في كل حي من أحياء القاهرة ومدن المحافظات المختلفة.

فأشجار الصين وغاباتها والمساحات الخضراء فيها هي الغالبة رغم عظمة المعمار وضخامته وإبهاره. حتى إن بعض زميلاتي في الوفد المصري ممن أتيحت لهن فرصة السفر سابقا إلى الولايات المتحدة سألن بعضهن البعض إن كانت العمارة في بكين هي الأضخم والأكثر أم تلك الموجودة في مانهاتن. ورغم عظمة هذه الناطحات وروعة المعمار إلا أن اللون الأخضر هو السائد.

وعلى ذكر العمارة الحديثة في الصين، أذكر مثلا أننا شاهدنا ناطحة سحاب في قلب العاصمة الصينية يبلغ ارتفاعها ستمائة متر، بما يمثل مائة وثمانية طابق. كما شاهدنا غيرها آلاف الأبراج الشاهقة، وناطحات السحاب، وكلها بطرز معمارية أقرب للنمط الأوروبي الحديث. لكن هذا لم ينسهم طرازهم المعماري التقليدي.

فوسط كل الطرز المعمارية الحديثة لا يمنع أن ترى قصرا أو معبدا أو منشأة حكومية على الطراز المعماري الكلاسيكي. بما يحفظ الهوية البصرية للمدن الصينية، وحتى لا تفقد البلد هويتها في ظل هرولتها نحو الحداثة.

من الجميل في الصين أيضا هو الحرص الشديد على عدم إيذاء العين من أي مخلفات نتيجة أعمال البناء أو الصيانة أو الترميم أو الحفر. فالغالب على كل المشاريع الكبيرة أو الصغيرة هو تغطية المخلفات بقطع بلاستيكية خضراء وأحيانا سوداء، لحجب الردم أو الأطلال أو آثار الحفر في الشوارع عن أعين المارة.

أما المشاريع المعمارية قيد الإنشاء فإنها تحجب عن المارة سواء كانوا ركبانا أو مترجلين عن طريق وضع سواتر عملاقة من الصاج. ولا يكتفى بذلك، بل إنها تغطى هي أيضا بنوع من الموكيت الأخضر المتواضع الأشبه بترتان الملاعب الصناعية. وخلف هذه السواتر يجري العمل الجاد بعيدا عن إزعاج المارة أو إعاقة الطريق.

نعود لأشجار الصين التي تلقى عناية كبيرة جدا، فما لاحظته أن السلطات المختصة تتعامل مع كل شجرة على أنها ثروة قومية تجب العناية بها، ومعاملتها بما يليق بها ككائن حي له حق الحياة، بقدر ما يقدم من خدمات للبشر. وهذا الكم الهائل من المساحات الخضراء قد يشفع للصين وجود كل هذه المنشآت الصناعية التي تخلف عوادم تطلقها مداخن المصانع ليل نهار، ولكن ما تصدره الأشجار من الأوكسجين يعوض نسبيا ما تخلفه تلك المصانع من ثاني أكسيد الكربون، بما يعكس جهود وزارة حماية البيئة وإنفاقها أكثر من 19 مليار يوان (نحو 3 مليارات دولار) لمكافحة تلوث الهواء خلال عام 2018.

وتكتمل منظومة الجمال بالحديث عن مستوى نظافة الشوارع بالصين، فليس بمستغرب أبدا أن تشاهد في الشوارع عربات لغسل الشوارع، وأخرى مجهزة بحيث تتمكن من رش المياه على أوراق وأغصان الأشجار. لا يبدو غريبا أن تجد عمال نظافة يعملون بكل جدية على إزالة أي شائبة أو ورقة شجر أو غيرها من المخلفات التي تسقط سهوا في المساحة المخصصة لعمل هذا العامل أو تلك العاملة.

الطبيعي في الصين أيضا، والذي قد لا يبدو معتادا، هو أن عامل النظافة ليست له وظيفة سوى إزالة القمامة من الشارع. بمعنى أنه لا يتسول في الميادين ولا فوق الكباري، ولا يستأجر بعضهم زي عامل النظافة ليتستجدي به عطف المارة وأموالهم. إنهم فقط يعملون.. يعملون مقابل أجر يكفيهم، فلا يضطرون لمد أياديهم، أو إهمال عملهم.

أذكر أن درجة الحرارة في مدينة "وي هاي" المطلة على بحر الصين الجنوبي بلغت صفر مئوية، والشوارع شبه خالية من المارة، ورغم هذا ظل عامل النظافة يقوم بواجبه في كنس الكورنيش دون أن يتعلل بحالة الطقس، ودون أن يستغل غياب الرقابة في مثل هذا الطقس السيئ.

من أجل كل هذا أصبح اللون الأخضر هو اللون الغالب والأكثر حضورا في شوارع الصين وطرقاتها. بعضها أشجار خشبية تمثل إضافة للاقتصاد الوطني الصيني، وبعضها أشجار مثمرة لبعض الفواكه. وهذا ما جعلها بلد سمتها الرئيسية هي الأخضر في أخضر.