12/8/2019 12:00:00 AM
رئيس التحرير
عصام كامل
 النظرات القاتلة

النظرات القاتلة


كنت أتابع عملا دراميا من إنتاج التسعينيات، وتضمن مشهدا لأم البطل العائد من الخارج بعد أن أتم دراسته، وهى تحثه على ضرورة الزواج، فأخبرها أنه اختار زميلته الأستاذة الجامعية التي كان يحبها قبل السفر، لكن حالت الظروف بينهما، فتزوجت ولم توفق في زواجها الأول.

فزعت الأم وهى تخاطب وحيدها: «بس يا حبيبي دى مطلقة!»، فرد الابن على والدته بأن تلك المفاهيم البالية القبيحة لم يعد لها وجود الآن، وأن زميلته لم تنفصل عن زوجها السابق إلا لسبب جوهرى استحالت به العشرة بينهما، وهو إدمانه لمخدر الهيروين وعقاقير الهلوسة، ورغم صبرها عليه سنوات عدة أملا في العلاج، لم يحدث، بل وصل به الأمر إلى ضربها بعنف ووحشية والاستيلاء على أموالها، ومحاولته عرضها كــ«متعة» على أصدقاء الكيف مقابل «شمة».

خلف كل جدار زوجية متداعي، حكاية مؤلمة لزوجة وأم، قاست وعانت حتى وصلت إلى تلك النقطة الفاصلة، والطريق المسدود، وهذا البحر المتلاطم من الوجع، الذي ارتدت فيه طوق النجاة من زوج مدمن، وبخيل، وعديم المسئولية والنخوة، أو مسلوب الإرادة، وعنيف، ومنحرف أخلاقيا.

لا ننكر أن هناك قلة من الزوجات قد يُكن سببًا أساسيًا في خراب العشرة، ودفع الزوج إلى الطلاق، ولكن السواد الأعظم لحالات الانفصال الزوجية، غالبا ما يكون الزوج هو السبب، وآثرت المرأة الفرار من قبضته الدامية.

نظرة مجتمعية جاهلة، لقطاع من السيدات، ممن لم يوفقن في حياة زوجية مستمرة، فاخترن الانفصال لأسباب قد يراها الناقدون من خارج إطارها بسيطة، وفى حقيقتها نار تحرق قلب من عانت واكتوت.

امرأة دفعت ثمن «اختيار» أو «إجبار» غير موفق، ثم تأتى ألسنة حداد لتجهز على سمعتها بظن سيئ، وظلم فادح، وطعن في عرض، ومحاولة استغلال، وحكم بالموت وهى على قيد الحياة.

أما آن الأوان لتغيير مفاهيم وموروثات بالية استشرت في عقل المجتمع على مدار عصور، والعمل على محو تلك النظرة القاصرة التي تقول بأن المرأة التي لم توفق في تجربتها الزوجية لأسباب ليست هي سببا فيها، لا تصلح لبداية تجربة إنسانية جديدة ورحلة عطاء مع شريك حياة لم يسبق له الزواج من قبل.

قد يجعل الله تلك السيدة التي أنضجتها القسوة، فاتحة خير ورفيقة عمر مُعينة، فقد عانت حياة مهلهلة، فقدت خلالها الإحساس بالسكينة والألفة، فتعطيهما أضعافا مضاعفة لمن اختار أن يبدأ مشواره معها.

يقولون «فاقد الشيء لا يعطيه» ونقول لهم عفوا، «بل يعطيه وبشدة»، فقد تجرع مرارة فقدانه.