رئيس التحرير
عصام كامل
تنبؤات الأرصاد التي لا تتحقق

تنبؤات الأرصاد التي لا تتحقق


من يحاسب هيئة الأرصاد إذا فشلت توقعاتها بشأن حالة الطقس؟ وكم مواطن مصرى قرر –بسبب هذه التوقعات غير الصائبة- تأجيل أو إلغاء ارتباطات مهمة خلال الثلاثة أيام الماضية؟ ومن يتحمل مسئولية بيانات مستمرة طوال العام ظاهرها التنبؤ وباطنها تخويف الناس من النزول من بيوتهم؟.

ما دفعنى لطرح هذه التساؤلات هو أن هيئة الأرصاد فاجأتنا يوم الإثنين الماضى على لسان مدير مركز التحاليل والتنبؤات بخبر عن سقوط أمطار متوسطة إلى غزيرة ورعدية خلال أيام الأربعاء والخميس والجمعة على السواحل الشمالية، وجميع محافظات السواحل الشمالية وسلاسل جبال البحر الأحمر والوجه البحري والقاهرة.

الطريف أن الأمطار التي توقعتها الأرصاد لم يتأجل حدوثها أو تعرضت للترحيل أياما مثلا أو تحققت بشكل جزئى فسقطت في يومين دون الثالث، لكنها لم تسقط من الأصل لا متوسطة أو غزيرة أو رعدية ولا حتى قطرة ماء واحدة في الشوارع، وكان الطقس حارا طوال نهار الأيام الثلاثة، بل هناك من لايزال ينام على أجهزة التكييف والمراوح رغم اقتراب شهر نوفمبر من نهايته.

المؤسف أن الصيغة التي يتم بها نشر هذه النوعية من أخبار الطقس -المصحوبة بحديث عن موجات رعد وبرق وسحب وسيول منتظرة وأمطار في الشتاء ولا تأتى أبدا، وكذلك عواصف رملية وزعابيب ترابية ورياح وحرارة ورطوبة مرتفعة في الصيف لا تحدث أبدا- تثير الخوف في نفوس المواطنين من النزول إلى الشوارع لأنها ستمتلئ وتغرق بمياه الأمطار وكأنها رسالة لهم بالمكوث في البيوت وعدم الخروج لثلاثة أيام متتالية.

صباح أمس الجمعة قرأت خبرا آخر يؤكد فيه القائم بأعمال رئيس الهيئة سقوط أمطار خفيفة إلى متوسطة على أماكن متفرقة بالقاهرة الكبرى خلال الساعات القادمة، ويبشرنا بأن السحب المنخفضة بدأت في التجمع ببعض الأماكن بالقاهرة، وأن كتلة هوائية قادمة من جنوب أوروبا تتسبب في انخفاض درجات الحرارة أمس 5 درجات، ولكن يبدو -حتى كتابة هذه السطور "صباح اليوم السبت" – أن السحب المتوقعة ضلت طريقها أو تاهت، وأن الطائرة التي كان من المقرر أن تنقل الكتلة الهوائية تعطلت أو تعرضت لحادث في الجو.

هذه الافتكاسات والتنبؤات المخيبة للآمال تكررت كثيرا خصوصا طوال شتاء العام الحالى 2019، والمشكلة الحقيقية في عدم دقة توقعات الأرصاد أن خبر الطقس صار يحتل الصفحات الرئيسية لمعظم المواقع الإخبارية وبرامج التوك شو، بعد أن كان خبرا هامشيا لسنوات طويلة مضت، عندما كان هناك زخم إخبارى يملأ الصحف وقبل أن نرى صحافة أصبح فيها عض الكلب للإنسان هو الخبر وليس العكس كما درسنا في كلية الإعلام، وهو ما يعنى أن خبر التقلبات الجوية يصل للجميع وليس لفئة دون الأخرى وبالتالى يستعدون لحدوثها.

هناك من يرى أنه حتى لو خابت توقعات الأرصاد، فإنها تجبر الناس على أن تأخذ احتياطاتها بدلا من أن تدهمهم الأمطار أو الطقس السيئ، وهو ما ذكره الدكتور "محمود شاهين" مدير مركز التحاليل والتنبؤات بالهيئة في تصريح له أمس "الأفضل إننا نقول الأجواء مهيأة أفضل من إننا نقول مفيش حاجة ونلاقي مطر".

قد يكون هذا المنطق مقبولا لو أن التوقعات تصدق مرات وتخيب مرة، لكن ما يحدث هو العكس حيث أصبح السائد أن تخيب التوقعات مرات وتصدق مرة، ويبدو أن مسئولى الأرصاد لايدركون أن بياناتهم تجبر الناس على إلغاء مشاريع للخروج من منازلهم أو التغيب عن اعمالهم أو تأجيل سفرهم أو تغيير خطوط سيرهم، وأن الذين يثقون في بيانات الأرصاد ويؤمنون بتنبؤاتها باتو هم أكثر الناس تعرضا للضرر مؤخرا.

التنبؤ بالأحوال الجوية مهمة وطنية نبيلة تقوم على قاعدة أن "الإحتياط واجب"، وتحمى أرواح المواطنين وتُجنِبهم حوادث ومخاطر ومآزق كثيرة، لكن ذاكرتى مليئة بتوقعات جوية كثيرة خابت هذا العام، بل أكاد أمنح تلك التوقعات نسبة نجاح لاتزيد عن 20%.

في علوم الأرصاد الجوية لا وجود لنشرة تنبؤ عن الطقس دقيقة مائة بالمائة وأي حالة جوية قابلة للتغيير، لكن معروف عالميا أيضا أن هامش الخطأ في توقعات الأرصاد الجوية لا يكون أكثر من نسبة الصواب، وأذكر في هذا الشأن أنه منذ ست سنوات تقدمت مدينة هولندية بمبادرة تقضي بفرض غرامة على المتخصصين في علم الأرصاد الجوية إذا ما أصدروا تنبؤات خاطئة لحالة الطقس، وكان مبررهم آنذاك أن التنبؤات الجوية الخاطئة تلحق أضرارا جسيمة بقطاع السياحة وتشكل عقبة كبيرة أمام وفود السياح لزيارة بلادهم.

والسؤال: أليس هناك جهة رقابية على أعمال هيئة الأرصاد في مصر، لكى تضعها على الطريق الصحيح للتنبؤ أو على الأقل تحاسبها أو تلزمها بتحرى الدقة فيما تنشره من بيانات حتى لا تنعدم ثقة الناس فيها؟.