Monday, 16 December 2019
رئيس التحرير
عصام كامل

محمود عبدالدايم يكتب: في انتظار قفزة الدولفين السعيد

محمود عبدالدايم
محمود عبدالدايم


وكأنّها في انتِظار هبوطِ نبيٍّ في هذهِ البقْعة تحديدًا.. وقَفَت السيدة الغريبةُ على ناصيةِ الشّارع، رأسُها مرتفعٌ إلى الأعلى، ارتفاعه كان فوقَ المعتاد، ملابسُها متناسقة، نظيفة، ليستْ بالزاهية، ولم تكنْ بالكئيبة الرثّة.. كمَنْ يُدرك أهميةَ الموعد، تحْديقي المستمرّ في هيئتِها لم يُحرّكْ غريزتَها لِتنظرَ ناحيَتِي، لولا لمحتُ اللحظاتِ التي ترمش فيها قبلَ أن تفتحَ عينيْها على اتّساعها لقُلتُ إنّها تمثالٌ أبرع صاحبُه في نحته، لكنّها كانتْ حيّةً تُرزق، تقفُ في مواجهة الشارع الرئيسي، تتجاهل كل النظرات المتطفلة التي تعلق بعضها بفستانِها وتأرجحَ البعضُ الآخر برأسها.. صدرها.. يديها الكبيرتين اللتين لا تشيران إلى أنهما تخصّان جسدَ امرأة.

في اليوم الثاني، لم يطرأ جديد على هيئتها، فستانُ اليوم ذاته فستانُ الأمس، لم يَمسسْه سوءٌ.. الرأسُ توقَّف عِندَ نُقطةِ الارتفاع السابقة.. اليدان ترقدان في هدوء إلى جانب فخذيها، لكنني اقتربتُ أكثرَ منها، كان صدرُها المكتنزُ بعضَ الشيء يرتفع سنتيمتراتٍ قليلةً.. يدفع مقدمة الفستان إلى الأعلى.. ثم يعود في هدوء سيرته الأولى، لم تكن تضعُ أحمرَ شفاه، أو كُحلًا أو أي مستحضر تجميل يُذكر، وقْفتُها لم تتأثر بالضوضاء التي بدأتْ تفرض سيطرتَها على الشارع الرئيسي الذي ترمي بنظراتها ناحيته، تجاهلتْ كمَا اعتادتْ في الأمسِ النظراتِ المتلصِّصَةَ.. المتسائلةَ عن طبيعة المرأة التي ظهرتْ بغرابةٍ.. ولا تزالُ تقفُ بغرابةٍ على ناصيةِ الشارع في انتظار هبوط نبيها أو صعوده.. لا يهم فالمهم أنها تنتظره.. هكذا أيقنت!َ

بابٌ كبيرٌ من الغرابةِ فتحتْهُ السيّدة الغامضة للعابرين ووقفتْ على عتبتِهِ دونَ أنْ تحاولَ أن تُلقيَ لأحدٍ بخيطٍ واحدٍ يصلُ إلى الإجابة عن واحدة من علاماتِ الاستفهام التي علتْ فوق رؤوسِ الجميع.. عن طبيعة السيدة.. وقفتها.. اللحظة التي ستسدل الستار على الموقف بأكلمه.. تركتهم أسرى للعلامات الكثيرة هذه وارتكنت إلى صمتها المهيب وانتظارها المبهم.

ناصيةٌ نظيفةٌ اختارتْها السيدةُ الغامضةُ لتقفَ فيها، تقعُ بينَ محلٍّ لبيع أدواتِ التجميل، لا يظهر زبائنه إلا بعدَ الرابعة عصرًا وقبلها يكونُ مهجورًا مقفرًا.. اللهم إلا خيط بارد يتسرّب من داخله إلى الخارج معلنًا للجميع أن صاحبه لا يعبأ كثيرًا بفاتورة الكهرباء، ويصرُّ على بقاء مكيّف الهواء مفتوحًا طوال ساعات العمل.. «ثماني ساعات» خطَّها على لوحة وضعها في الزاوية العليا إلى جوار لافتة المحل (الجميل لأدوات التجميل)، على الناحية الثانية للناصية التي احتلتْها المرأة الغريبة، محل مغلق منذ سنوات، وبقايا ورقة إعلانات تحدت ظروفَ الطقس المتقلبة ولا تزال تحمل إشارة إلى أن والدة المعلم (أيوب) الفرارجي صعدتْ روحُها إلى السماء، وأن قداسَ العزاء في الكنيسة الكائنة في الشارع الخلفي للمحل.. تاريخ الوفاة يشير إلى أن الراحلة غادرت الدنيا منذ أشهر أربعة وأسابيع ثلاثة وأيام خمسة!

أصابني اليأس بعدما رأيتُها في اليوم الثالث كما هي، لم يحدث جديد إلا أنها لا تزال في انتظار نبيِّها الذي يبدو أنه لن يأتي، لم تُعر الأسئلة التي دارتْ حولها مئات المرات أيَّ اهتمام، لم تجلس على المقعد الذي تخلى عنه صاحب المقهى المواجه لناصيتها النظيفة طواعية، لم تَستجبْ إلا للهواء الذي تحالف مع جميع أعدائها وبدأ يداعب الفستان، ذيله تحديدًا، ويرفعه سنتيمترات قليلة إلى الأعلى، تحركت يدها اليمنى، أنزلت الفستان، أمسكته في المرة الثانية قبل أن يرتفع إلى ما فوق ركبتها، لحظتها لمحتُ «صابونة الركبة» ملساء كانتْ.. بيضاء.. ناصعة البياض.. شكرتُ أبي كثيرًا في هذه اللحظة، بعدما استعنتُ بالمكبر الذي منحنى إيّاه في ذكرى ميلادي الأخيرة بعدما رآني أتأمل السماء كثيرًا.. هل كان يُدرك أبي أنني لن أصعد إلى السماء وأن هديّته ستجعلني أبقى أسيرًا للنافذة أتابع حكاية امرأة وقفت وحيدة في الناصية؟.. لا أعرف ما سيفعل أبي عندما يكتشف هذه الكارثة!

«لا أنتظر نبيا أو أي شيء من السماء.. إنني في انتظار الموت».. نجحت محاولتي في جذبها لتحريك فمها، اخترت الدقائق الأخيرة في الساعات الثلاث التي اعتادت أن تقفها على الناصية، تيقنتُ أنّها تُصاب بالتعب خلالها، لمحتُ طوال الأيام السابقة لحظات ارتعاش ساقيها عندما تقترب الساعة الثالثة من الانتهاء.. رأيتُها ترفع قدمها اليمنى عن الأرض قليلًا.. تريحها لثوان ثم تستبدلها باليسرى.

قبلتْ دعوتي على فنجان قهوة، غير أنّها أصرّت أن تشربَه في نفس المكان، وبعد محاولات عدة ارتضتْ بالجلوس على المقعد الذي ظلَّ خاليًا طوال الأيام الماضية، حدثتْني عنه بعدما أرختْ جفونها، وتركتْ عينيها تستريحان قليلًا من عذابِ التحديق في البعيد، قالتْ: «منذ عشرين عامًا كنت أسكُن هنا.. بيت أبي كان مكان المحل»، وأشارت إلى محل التجميل، «كنت مثلك أهوى متابعة الجميعِ، غير أنني لم أكن أملك مقربًا للصورِ مثلك، كنتُ أعتمد على عينيّ فقط.. تابعت الحياةَ من نافذةِ غرفتي.. كانتْ هنا»، وأشارتْ إلى الزاوية المجاورة للمكان الّذي ترقُد فيه لافتة عزاء والدة الفرارجي، «كبرتُ في النافذة.. رأيتُ العالمَ من النافذة.. لم يكن المقهى موجودًا.. لم تكن العمارات التي تحجبُ النيل اخترقت الأرضَ بعد، لم يكنْ هناك شيءٌ يبعدني عن السماء، كنتُ ملكةَ النافذةِ التي يُطلُّ عليها العالم».

بحركة غير محسوبة أفلتت مني ابتسامة، رمقتْني السيدة الغريبة بنظرة عاتبةٍ، فقتلت الضحكةَ في مهدِها، مرَّرتْ منديلا قطنيا مطرزا بحرف (راء) على الحافّة ووردة «قرنفل» على شفتها، اقتنصتْ نفسًا طويلًا من الهواء، هاجمتها نوبة كُحة مفاجئة استمرت لثوان طويلة، اعتذرت عنها، متجاهلة الاحمرار الذي طغى على وجهها، وعندما عادتْ ملامحُها إليها من جديد أكملتْ: «كنت ملكة.. أو هكذا كنتُ أشعر.. على شاطئ من النهر كنت ألمح طيف طفل.. كل صباح كان يخرج إلى الشاطئِ.. يسبحُ قليلًا، يسقط في الماء.. يغوص، وسرعان ما يقفز فوق السطح كدولفين ماهر، يتقن السباحة والقفز والمرح، ظللتُ أتابع لحظات مرحه لأيام.. وامتدت الأيام لأسابيع.. وفى يوم مارس الطفل كلَّ الألاعيب التي اعتادَ ممارستَها على الشاطئ، وعندما قفزَ إلى الماء لم يخرج.. انتظرتُه.. بدأت أحصي الثواني.. لم يظهر.. مرّت 3 دقائق.. لم يظهر.. وضعت كفي على فمي محاولة كتمان صرخة.. لم يظهر.. انتظرت حتى مرت عربات كثيرة من قطار الوقت.. غير أنه لم يظهرْ».

«رأيت سيّدة بملابس منزلية تركض مذعورة.. ارتجف قلبي.. لم أسمعها.. لكنني على يقين كامل بأنها كانت تصرخ.. تنادي باسمه.. تطالبه أن ينهي مزحة الغوص التي اعتاد أن يمازحها بها كل يوم.. صرخت، وإن كنت لم أسمع صوتها، لكنها كانت تصرخ، أن يقفز كدولفين اعتادَ الغوصَ في الأعماقِ والقفزَ حتّى يُلامسَ السماءَ.. لم يظهرْ.. قفزت السيدة إلى الماء.. 3 رجال قفزوا وراءها.. اختفوا لثوانٍ خرجوا بعدها يحملونها بين أيديهم.. تركوها على الشاطئ.. وقفزوا من جديد.. خرجوا بعد دقائق قليلة.. متعبة كانت وجوهُهم.. ستصدقني إن قلت لك إنني سمعت أصوات دقات قلوبهم.. كانت دقات حزينة.. يائسة.. منكوبة.. ساعات مرت قبل أن يرفعوا السيدة من على الشاطئ، أرقدوها على عتبة «عشتها الخشبية» قبل أن يرحلوا في صمت.. غير عابئين بانتظار ومتابعة قفزة الدولفين الأخيرة السعيدة إلى السطح.. التي أنتظرها حتى الآن».