رئيس التحرير
عصام كامل
النقيب "إسلام توفيق".. بطل الصاعقة البحرية

النقيب "إسلام توفيق".. بطل الصاعقة البحرية


هو واحد من الملايين التي عشقت تراب هذا البلد، وتقدموا حاملين أرواحهم فداءً لترابها.. فمنهم من روَت دماؤهم هذا الثَرى الطاهر، ومنهم من ينتظر.

بعد حصوله على الثانوية العامة عام 1957، تقدم للالتحاق بالكلية البحرية؛ فقد كان حلمه العملُ في صفوف القوات البحرية، ولكنه لم يُقبل، فاضطُر للالتحاق بكلية تجارة عين شمس، ولكن قلبه لم يتوقف عن النبض بحب البحرية.. وينتهي العام الدراسي، ويعيد المحاولة، ويحالفه التوفيق هذه المرة.

بذل الطالبُ "إسلام توفيق" جهدًا كبيرًا أثناء الدراسة ليحقق التفوقَ العلمي، مع تميزه الرياضي، حيث حقق الفوز في العديد من الرياضات؛ كألعاب القوى، والملاكمة، والكرة الطائرة، والسباحة.

تخرج في يوليو 1961، وحاز على شرف حمل علم الكلية الذي سيُسلم للدفعة التالية، وحصل على جائزة "أم البحرية"، التي تُمنح لأفضل طالب رياضي بالكلية، وكانت الجائزة عبارة عن ساعة "رولكس" ذهبية، سلمها له في حفل التخرج الرئيس "جمال عبد الناصر"، وصافحه بحرارة مهنئًا.

توقع "إسلام" أن يتم إلحاقه على لواء المدمرات، أو لواء لنشات الطوربيد، وتخيل نفسه وهو يقود مدمرةً أو غواصةً أو مجموعةً من لنشات طوربيد، ولكنه فوجئ بتوزيعه على لواء الوحدات الخاصة، وتلقى أمرًا بالتوجه إلى أنشاص على وجه السرعة للحصول على فرقة معلمي الصاعقة للارتفاع بالمهارات القتالية للقوات الخاصة البحرية، ضمن مجموعة من ضباط وضباط صف الصاعقة البحرية، والحصول على فرقة معلمي صاعقة؛ لتكوين سرية صاعقة بحرية تسافر إلى اليمن.

وعقب انتهاء هذه الفرقة حصلَ على فرقة أخرى، وهى القفز بالمظلات، وصدر قرار بتعيينه قائد فصيلة بأول سرية صاعقة بحرية.
ثم صدر الأمر بالتحرك لليمن، وكان موقع السرية بمنطقة "صعدة" على حدود "جيزان" و"نجران"، وهي من أشد المناطق خطورة باليمن.

ومع تزايد أعداد سرايا الصاعقة البحرية بدأ التفكير في إنشاء كتيبة مشاة أسطول بالتعاون مع الخبراء السوفييت. وفي تلك الأثناء بدأت تلوح في الأفق نُذُرُ حرب يونيو 1967. وتحركت كتيبة مشاة الأسطول التي ينتمي لها البطل إلى شرم الشيخ؛ تمهيدًا للهجوم على إيلات طبقا للخطة، ولكن مع بداية حرب 1967 صدرت الأوامر بالانسحاب من شرم الشيخ إلى الغردقة، وعندما اقتربوا منها صدرت الأوامر بالتوجه إلى رأس غارب؛ لأن ميناء الغردقة كانت طائرات العدو قد دمرته.

وفي رأس غارب تم نقلهم بعربات إلى السويس، ومن السويس استقلوا القطارَ إلى القاهرة. ومرت عليه لحظات حزينة، وهو يستمع لخطاب "عبد الناصر" الذي أعلن فيه التنحي. تم تكليف "إسلام" باختيار أفضل العناصر من الضباط وضباط الصف والجنود لتشكيل سرية صاعقة بحرية، وأن يعد لها خطة التسليح والتدريب.

بدأ التدريب بتركيز وكثافة عالية، وخبرات اكتسبها من فترة العمل باليمن، وأضاف لها فترة تدريبية بمدرسة الصاعقة بأنشاص.
وفى إحدى العطلات التقى مصادفة بزميل الدراسة السابق بمدرسة مصر الجديدة الثانوية، "إبراهيم الرفاعي"، فسأله عما إذا كان لديه رجال للقيام بعمليات خاصة، فرد عليه بالإيجاب.

فصحبه "الرفاعى" إلى اللواء "محمد صادق"، مدير المخابرات الحربية آنذاك، وقال له: "إسلام توفيق معاه ناس موجودين للتدريب بأنشاص ومستعدين للعمل".

ثم صحبه "الرفاعي" إلى الجبهة لاستطلاع الضفة الشرقية للقناة. وبعد العودة تم تكليفه بالمهمة الأولى، وهى الحصول على عينة من صواريخ إسرائيلية نشرها العدو على طول الجبهة، فقام مع عددٍ من رجاله بهذا العمل بنجاح، وحصلوا على ثلاثة صواريخ لا صاروخًا واحدًا، وبدأت الأنظار تتجه إليهم، وتلقوا خطاب شكرٍ من وزير الحربية.

تم اختيار عدد من مقاتلي هذه السرية تحت قيادته للانضمامِ لمجموعة الرفاعي، وتوالت العملياتُ الناجحة. وانضمَّ إلى المجموعة، خلال تلك الفترة، بطل الصاعقة الرائد "عصام الدالي"، والذي كان قد حصل على فرقة أركان حرب من روسيا، وله خبرة كبيرة بالعمليات الخاصة، وكان اختيارًا موفقًا لدعم المجموعة، وكان بينهما تآلف كبير وود حتى شاركه في عملية "الكرنتينة" التي استُشهد فيها "الدالي".

ويذكر "إسلام" أن تدريبات الصاعقة البحرية ضمن صفوف المجموعة صحبها تعديل وتطوير في زوارق النقل البحري، بما يتماشى مع المهام المكلفين بها، وشملت التعديلات زيادة سعة خزانات الوقود، ومكانها، وإدخال بعض مساعدات الملاحة البحرية، وتزويد الزوارق بقواعد الرشاشات الثقيلة، ووضعت سنادات لتحميل الزوارق بسيارات الجيب للإبرار البحري، وضمان سرعة المناورة ضد مواقع العدو في العمق.

ويمكن القول إن المجموعة هي أول من استخدم هذه المعدات في القوات المسلحة المصرية.

وعن إحدى العمليات الأخرى التي أوكلت إليه يروي "إسلام" في كتابه "حرب الاستنزاف"، عن العملية "عصام 8"، والخاصة بالتقاط مجموعة استطلاع مؤخرة العدو يومي 27، 28 يونيو 1970، قائلًا:
"مجموعات الاستطلاع المصرية كانت موجودة بصفة دائمة خلف خطوط العدو، وكانت كل مجموعة تتكون من ضابط وجنديين وفردين من البدو كأدلة، وكانت تلك المجموعات مزودة بأجهزة لاسلكي، وكاميرا للتصوير.

ومدة بقاء كل مجموعة لا تزيد عن الشهر، وكان يرتب لذهاب أحد القوارب لإرسال المجموعة الجديدة وإحضار القديمة.. فإذا لم يستطع القارب الوصول إلى النقطة المتفق عليها نظرًا لنشاط دوريات العدو بالمنطقة، كانت مجموعة الاستطلاع تعود إلى داخل سيناء، وتستمر مدة مثل التي قضتها قبل أن تذهب إلى الساحل لتنتظر الزورق.

وقد حدث أن استمر بقاء إحدى هذه المجموعات داخل سيناء أكثر من 6 أشهر نظرًا لتزايد النشاط البحرى للعدو بالمنطقة، حيث كان للعدو 3 لنشات حراسة سريعة من طراز "برترام" تقوم بدورياتها في تلك المنطقة، منطلقة بقاعدة برأس سدر.. بالإضافة إلى يقظة قواته على الشاطئ الشرقى على خليج السويس".

وأمام تلك المشكلة استدعى الفريق "صادق"، رئيس الأركان وقتها، النقيب "إسلام"، باعتباره قائدًا للمجموعة البحرية داخل المجموعة "39 قتال أ"، وطلب منه العمل لإعادة مجموعة استطلاع مؤخرة العدو من سيناء.

درس "إسلام" الموقف وأسباب فشل التقاط هذه المجموعة.. فتبين له من الدراسة أن اللنشات الإسرائيلية الموجودة بالخليج تعترض أي وحدات بحرية في مياه الخليج، فعندما يخرج أيُّ لنش مسلح من قاعدة الأدبية تعمد اللنشات الإسرائيلية إلى اعتراض طريقه لإرغامه على العودة إلى القاعدة، وعدم ممارسة أي نشاط عسكري خارجها.

رأى البطل ضرورة الاستفادة من هذه النقطة بأن يصل بمجموعته إلى نقطة جنوب الأدبية بنحو 25 كيلو مترًا، ويرسل إشارة لاسلكية إلى القاعدة البحرية يطلب منها إخراج أحد اللنشات لجذب أنظار دوريات العدو البحرية، وبالفعل بمجرد خروج اللنش المصري المسلح من قاعدة الأدبية رصدته أجهزتهم، وخرجت الدورية البحرية لتقفَ أمامه كالمعتاد، وهنا خرجت الدورية البحرية المصرية من النقطة الجنوبية في زورقين، واحتفظ القائد بزورق ثالثٍ كاحتياطي بمنطقة العبور للاستخدام في حالة الاحتياج إليه.

بدأ عبور "إسلام" بمجموعته في التاسعة إلا ربع مساء، واستغرقت الرحلة نحو الساعة والنصف، وفى العاشرة والنصف تم الاتصال بمجموعة الاستطلاع التي سيتم التقاطها. وبالفعل تم الالتقاط، ولم يتحرك القاربان للعودة إلا في الحادية عشرة والربع، بعد أن ظلا بالمنطقة نحو 45 دقيقة، وعاد القاربان ليصلا بسلام إلى نقطة العودة في تمام الساعة 12،40 دقيقة بعد منتصف الليل.