رئيس التحرير
عصام كامل
الشهيد الحي

الشهيد الحي


أشهر مشهد في فيلم "الممر"، كان للممثل "محمد فراج"، عندما واجه الطيران الإسرائيلي منفردًا، وليس معه سوى بندقيته.. لم يخف، ولم يجبن، بل سلط شعاع عينيه نحو وجه قائد الطائرة المغيرة؛ ليثبت للأعداء أن المصريين لا يخافون!! المشاهدون أُعجبوا كثيرا بالفيلم، لولا هذا المشهد الخيالي، في أنظار البعض، فظنوا أن به مبالغة شديدة..

لكم أن تعرفوا أن هذا المشهد حدث بالفعل، ولكنَّ صاحبه، الذي أدى دوره "فراج"، لم ينجُ، بل أصيب إصابة بالغة، كادت تقضي على حياته. بطلنا اليوم لن يتكرر إلى قيام الساعة.. إنه الجندي المعجزة "عبد الجواد محمد مسعد سويلم"؛ فهو الجندي الوحيد في العالم الذي قاتل، وهو يعاني من عجز بنسبة ١٠٠٪!!

أصيب ببتر في الساقين واليد اليمنى والعين اليمنى، أثناء مشاركته في عملية لسلاح الصاعقة خلال حرب الاستنزاف بين يونيو67 وأكتوبر 73، وعاد للجبهة برغم إصابته. ولد سويلم يوم 26 أبريل 1947، بمدينة أبو صوير بالإسماعيلية، لأبٍ يعمل في قوات السواحل.

لُقِّبَ بـ "الشهيد الحى"؛ لأنه المحاربُ الوحيدُ الذي خاض حربًا ميدانية، وهو مصاب ببتر في الساقين واليد اليمنى وإصابة في العين، ومع ذلك طلب الاستمرار في كتيبة الصاعقة خلال حرب الاستنزاف.

حكى "سويلم"، عبر فيلم تسجيلي قصير عُرِض في افتتاح المؤتمر الوطنى الثالث للشباب بمدينة الإسماعيلية، عن قصة لقبه؛ ذلك أنه عندما أصيب بالبتر، ونُقِل للمستشفى زاره الرئيس الراحل "جمال عبد الناصر"، وعندها طلب "سويلم" العودة للقتال، فقال عنه "عبد الناصر" لمرافقيه: "هذا هو الشهيد الحى".

يحمل "سويلم" ثلاثة أنواط لشجاعة، منحه الرئيس "عبدالناصر" نوط الشجاعة الأول، واثنين من الرئيس "أنور السادات"، وخلال الاحتفال باليوبيل الفضى لنصر أكتوبر عام 1998، مُنح ميدالية مقاتلى أكتوبر.

دائما ما كان يقول إنه يعتزم تقديم التماس لرئيس الجمهورية بأن يسمح له بالدفن في مقبرة شهداء الصاعقة ببورسعيد، وهو المكان الذي دفنَ فيه أطرافه المبتورة في الحرب، ويبدو أن هذا الطلب الذي وقف طويلا ليسر به إلى الرئيس السيسي، وهو يصافحه في بداية مؤتمر الشباب.

في 20 يوليو 1969، كانت هُناك دورية صاعقة مكونّة من 19 مقاتلًا، مهمتها تدمير منطقة مخازن سلاح للعدو في عُمق سيناء، وبعد ساعات من المناوشات، نفذت الدورية مهمتها، ونجحت في قتل 16 من جنود العدو، ولَغَّمَت المخازن بالعبوات الناسفة التي تنفجر بعد وقت يسمح للدورية بأن تكون على أبعد مسافة من الموقع.

وبعد شروق الشمس، ابتعدت الدورية لتصبح على مسافة 11 كيلو مترًا من قناة السويس، وأمر قائد الكتيبة، "عيد زكي إبراهيم"، المقاتلين بالانتشار، تحسبًا لمرور طائرات العدو، وفي نقطة مجاورة، كانت هُناك طائرة توجّه ضربتها إلى أحد الجنود، تمُر الدقائق، فيما يقف ذلك البطل وحيدًا أمام رشاشات الطائرة، التي لم تُصبه، وعقب نفاد الرشاشات، اختار قائد الطائرة أن يطلق صاروخًا على الأحياء.

أُصيب البطل "عبدالجواد محمد مسعد سويلم"، في السادسة والنصف صباحًا، بجروح بالغة، وصلت لدرجة فقدانه أجزاءً من جسده، إلا أنه بدأ، بمساعدة أصدقائه، استخدام الرباط الميداني الخاص به مع "فانلة" داخلية في ربط الأطراف المبتورة والجروح المؤثرة الأخرى بجسده، وأصدر القائد تعليماته بأن يتناوب كل مقاتل حمل البطل على كتفه مسافة نصف كيلو، والخيار الذي ليس له بديل هو الجري بأقصى سرعة تجاه القناة لأن ذلك هو الأمل الوحيد في إنقاذ حياة زميلهم المقاتل الذي فقد أكثر من نصف جسده، وفقًا لمّا نشرته، آنذاك، جريدة "الأهرام".

وعند منطقة العبور، قام قائد الكتيبة، "سمير يوسف"، رحمه الله، (الذي صار محافظًا لأسوان فيما بعد)، باستقبالهم، وأحضر طبيب الكتيبة، وتم وضع "سويلم" على نقالة، وأجرى لهُ غيارًا للجروح، كما أخذ محلول ملح لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، وأحضر القائد مدرعة من بورسعيد لنقله فورًا إلى هناك، وكانت إجابة الطبيب، الصادمة لكُل المتواجدين آنذاك: "الحالة صعبة جدًا.. ساعتين على أكثر تقدير وينتهي الأمر".

ولأنّ نقل "سويلم" عبر المدرعة كان خطرًا على حياته، هو والسائق، اقترح زملاؤه أن يتم نقله على نقالة إلى بورسعيد، ولكن المسافة كانت تصل إلى 25 كيلو، وحياة "سويلم" تقف على ساعتين كحد أقصى، وفقًا لكلمات الطبيب، ولكن زملاءه أصرّوا على ذلك، وبالفعل ساروا بجوار السكة الحديد، وبجانب الشاطئ الذي يمُر بجانبه شجيرات و"بوص" كثيف، كنوع من أنواع التمويه.

وفي الثامنة والنصف صباحًا، بدأت رحلة نقل "سويلم"، بجهود 3 جنود من زملائه، ووسط طلقات نيران العدو ساروا إلى هدفهم، ومع نزول آخر ضوء من النهار، وصلوا إلى بورسعيد، وعندها دخل البطل في غيبوبة تامة، ولكن لم يتم علاجُه في المستشفى، بل نُقل إلى مستشفى دمياط، ومنها في قطار الإسعاف، ثُم استقر في مستشفى الحلمية العسكري بالقاهرة.

وفي غرفته بالمستشفى، فوجئ "سويلم" بزيارة الرئيس "جمال عبدالناصر" لهُ، والذي داعبهُ قائلًا: "حمد الله على السلامة"، وأكمل ضاحكًا: "يا راجل فيه حد يضرب الطيارة بالبندقية؟!"، فردّ عليه سويلم: "هقاتل ولو بالنبوت".

وبعد 7 شهور كاملة، غادر "سويلم" المستشفى، وعاد إلى "الكيلو 23 صاعقة"، ليُكمل الخدمة، ويستمر في صفوف المقاتلين من سنة 1971 وحتى 1975.

وفي حواراته الصحفية والإعلامية، كان البطل، الذي أكمل حياته بشكل طبيعي، وتزوج وأنجب 4 أولاد و4 بنات، ولديه 16 حفيدًا، يردد: "لست أنا البطل.. إنما الأبطال هم: النقيب "سمير يوسف"، والملازم أول "عيد زكى إبراهيم"، وكلاهما وصل لرتبة اللواء، الأبطال زملائي الثلاثة الذين حملوني على النقالة مسافة 25 كيلو.. "عبدالفتاح عمران" ابن الإسكندرية، و"صابر عوض" ابن المحلة، و"أحمد يس" ابن رأس غارب.. مازلنا نتزاور، وكلما تقابلنا أقوم بتقبيل أيديهم".

وفي أكتوبر 2012، التقت مجلة "الهلال" والدة البطل، فقالت إنهم احتاروا كيف يخبرونها في بادئ الأمر، فاختاروا أن يخبروها كل فترة بشيء، مرة قطع رجل، ومرة ثانية قطع رجل أُخرى، ومرة ثالثة قطع اليد، ويقول "سويلم": "المفاجأة أنّ أمي الفلاحة البسيطة، عندما جاءت لتزورني في المستشفى، أطلقت زغرودة تعبيرًا عن فخرها بأنها أنجبت بطلًا، ضحى من أجل وطنه، وعاش شهيدًا حيًّا".