الأحد 26 يناير 2020
رئيس التحرير
عصام كامل
 لماذا طرد "ترامب" مستشاره ؟

لماذا طرد "ترامب" مستشاره ؟


لا يمكن أن تعرف ما في رأس الرئيس الأمريكي من أفكار تتعلق بالخطوة التالية له، لأنه هو نفسه لا يخطط للخطوة التالية. ويتعجب كثيرون كيف استطاعت زوجته "ميلانيا" الاستمرار، والحق أنه تعجب ليس له مبرر، لأن "ميلانيا" بفتنتها وشبابها وقوة شخصيتها روضت الوحش السبعيني!

فوجئ "جون بولتون" مستشار "ترامب" للأمن القومى الامريكى بإقالته في قرار على تغريدة الثلاثاء أول أمس!، وكان هو نفسه كتب تغريدة قال فيها إنه تقدم باستقالته ليلتها إلى "ترامب" فطلب منه "ترامب" إرجاء ذلك إلى الغد. فسبقه "ترامب" وعزله ليظهر كصاحب اليد العليا في المنح وفى المنع.

"جون بولتون" هو الضحية الثالثة من مستشارى الأمن القومى الذين عملوا معه وتركوه أو أقيلوا، لكن هذه الإقالة لم تكن مفاجئة.. فقد سبقتها نذر وإشارات. برر "ترامب" سبب إقالة رجل الأمن القومى العنيد القوى المتطرف بأنه لخلافات عديدة بشأن مقترحات الرئيس.

يعنى كان كلما اقترح الرئيس فكرة اختلف معه مستشاره...

"بولتون" من دعاة الحروب، وهو من مدرسة المحافظين الجدد، الداعين إلى نشر القوة الأمريكية في أنحاء العالم، وهو من رجال الإرهابي الأول في العالم "جورج بوش" الابن الذي دمر العراق لأسباب كاذبة، أقر بكذبها وزير خارجيته الراحل الجنرال "كولن باول".

"بولتون" لا يريد السلام مع روسيا، ولا مع كوريا الشمالية، وخطته العاجلة هي ضرب إيران، وبالطبع كانت إسرائيل أشد الأطراف سعادة بوجود كلب الحرب الهائج هذا في منصب يؤهله لحفز الإدارة على توجيه ضربة تعجيزية لطهران، بسبب برنامجها النووى المهدد لإسرائيل.

وقعت الخلافات واشتدت بين الرئيس ومستشاره في الأيام الأخيرة من أغسطس، وقت إجراء محادثات غاية في السرية بين إدارة "ترامب" وقادة طالبان في أمريكا، تنفيذا لتوجه "ترامب" بسحب القوات الأمريكية وعددها ٨٦٠٠ جندى، وإنهاء حرب الثمانية عشر عاما بين كابول وواشنطن، وتطبيع العلاقات، وعودة طالبان إلى المجتمع الدولى مقابل ابتعادها عن تنظيم القاعدة وحمايته وإجراءات أخرى عديدة.

جن جنون "ترامب" إذ نشرت الواشنطن بوست قبل يومين تسريبات عن هذه الشروط والأسرار، وتوجهت أصابع الاتهام نحو "بولتون" وفريقه، وهو ما نفاه "بولتون" بشدة وحزم.. وفى الاجتماعات الأخيرة تم تهميش "بولتون" تماما ولم يتلق دعوة للحضور، وكان "ترامب" يستعد للقاء حاسم مع قادة طالبان في المنتجع الرئاسى كامب دافيد بولاية ميريلاند القريبة من واشنطن العاصمة.

ولم يتم الاجتماع الحاسم الذي كان نذيرا باتفاق نهائي، وأعلن "ترامب" إلغاءه، لأن طالبان اعترفت بمسئوليتها عن تفجير إرهابى سقط فيه جندى أمريكي، وأصيب ١١ آخرون. وقع التفجير وهم يفاوضون على السلام !

بالطبع أوقف "ترامب" المفاوضات... ولم يمر ساعات حتى طرد مستشاره للأمن القومى هذا.. وسيعين غيره، وسيطرده.. ويبدو أن "مايك بومبيو" هو الوحيد الحاصل على صلاحية الوصول إلى أذنى الرئيس "ترامب"، لأنه من أشد الموالين له، وهو لا يعارض قط قيام الرئيس بقيادة السياسة الخارجية الأمريكية، بل لعل "بولتون" كان ينازع الرجلين معا هذا الاختصاص:" ترامب" و"بومبيو".

لم يفهم "بولتون" ذهنية رئيسه في التفكير واتخاذ القرار، أنه رئيس يندفع ويدفع بالقطيع كله نحو حافة الهاوية لكنه لا يلمسها قط.. ويتراجع في ثوان عما كان ينتوي فعله.

يهدد بالحرب ولا يحارب. يهدد بالضرب ولا يضرب، يتحول الخصم فجأة إلى صديق.. فكم كره وحنق وغضب من صلافة "كيم جونج أون" زعيم كوريا الشمالية الشاب الطاغية، لكنه بعد قمتين صار معجبا به، وأمر برفع العقوبات عن بيانج يونج، رغم أنف الخارجية الأمريكية ومستشاريه... ومنهم بالطبع "بولتون"!

مع "ترامب"... لا تفكر.. مع "ترامب" نفذ الأوامر، وتقلب مع التقلبات النفسية والعقلية المتكررة.